الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما المؤمنون حقا فهم المتمسكون بالشريعة والمنهاج المحمدي كما قال تعالى : فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقال تعالى : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . [ ص: 218 ]

ومن أعظم هؤلاء ضلالا : من انتسب إلى إمام أو شيخ من شيوخ المسلمين ، وابتدع في دين الله ما لم يأذن به الله ، أو ضم إلى ذلك أنواعا من التكذيب والتلبيس ، كهؤلاء المتولهين الذين يفتلون شعورهم ، ومن وافقهم من المظهرين كمحرقة النار واللاذن وماء الورد والسكر والعسل والدم من صدورهم ، وإمساك الحيات زاعمين أن ذلك كرامة لهم; واحتيالا عن الصد عن سبيل الله ، وأكل أموال الناس بالباطل .

أما فتل الشعور ولفيفها فبدعة ما أمر بها نبي ولا رجل صالح ولا فعلها من يقتدى به ، بل قد شرع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الترجل من تسريح الشعر ودهنه .

ودخل عليه رجل ثائر الشعر فقال : "أما وجد هذا ما يسكن به شعره؟ " .

ولعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواصلة والموصولة ، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال .

وأمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحية ، وقال : "من كان له شعر [ ص: 219 ] فليكرمه" ; لا سيما والشعر إذا كان لا يدخل فيه الماء إلى باطنه ، لا يصح الاغتسال من الجنابة ، ويبقى صاحبه لا طهارة له ولا صلاة ، ومن لا صلاة له لا دين له .

وكذلك معاشرة الرجل الأجنبي للنسوة ومخالطتهن من أعظم المنكرات التي تأباها بعض البهائم فضلا عن بني آدم ، قال الله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .

وفي "الصحيح" عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "إياكم والدخول على النساء" قالوا : يا رسول الله ، أفرأيت الحمو؟ قال : الحمو الموت" .

فإذا كان قد نهى أن يدخل على المرأة حموها أخو زوجها ، فكيف بالأجنبي؟

وقال : "لا يخلون رجل بامرأة ، فإن ثالثهما الشيطان" .

وقال : "لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا مع زوج أو ذي محرم" . [ ص: 220 ]

وكان إذا صلى في مسجده يصلي الرجال خلفه وخلفهم النساء ، فإذا قضى الصلاة مكث هو والرجال حتى يخرج النساء لئلا تختلط النساء بالرجال .

وقال : "خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها ، وشرها أولها" .

وقال أيضا : "يا معشر النساء! لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال رؤوسهم من ضيق الأزر" ، لئلا تبدو عورة الرجال فتراها المرأة .

وأمر النساء إذا مشين في الطريق أن يمشين على حافة الطريق ولا يحققن الطريق -أي : لا يكن في وسطه- بل يكون وسطه الرجال لئلا يمس منكب الرجل منكب المرأة ، حتى يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ترك بابا من أبواب المسجد للنساء ، ونهى الرجال عن دخوله ، فكان عبد الله بن عمر لا يدخله .

وقالت عائشة رضي الله عنها : "ما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد امرأة لم يملكها قط" . [ ص: 221 ]

ولما جاء النساء يبايعنه ، قال : "إني لا أصافح النساء ، وإنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة" .

ويروى أنه وضع يده في إناء فيه ماء ، ووضعن أيديهن فيه ، ليكون ذلك عوضا عن مصافحة النساء . كل ذلك لئلا يمس الأجانب ، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتزوج بتسع; وسيد الخلق وأكرمهم عند الله تعالى ، فكيف بهؤلاء الضلال المبتدعين الخارجين عن الإسلام الذين يجمعون بين النساء والرجال في ظلمة أو غير ظلمة؟

ويوهم بعضهم للنساء أن مباشرة الشيخ والفقراء قربة وطاعة ، وأنه مسقط للصلاة ، ويتخذون الزنا والقيادة عبادة ، ويتركون ما أمر الله تعالى به من الصلوات واجتناب الفواحش ، فما أحقهم بقوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا .

التالي السابق


الخدمات العلمية