الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ويزيد هذا الذي ولي الملك هو أول من غزا القسطنطينية ، غزاها في خلافة أبيه معاوية . وقد روى البخاري في "صحيحه" عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له" .

ومن قال إن يزيد هذا كان من الصحابة فهو كاذب مفتر ، يعرف أنه لم يكن من الصحابة ، فإن أصر على ذلك عوقب عقوبة تردعه .

وأما من قال إنه كان من الأنبياء فإنه كافر مرتد يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل .

ومن جعله من الخلفاء الراشدين المهديين فهو أيضا ضال مبتدع كاذب .

ومن قال أيضا إنه كان كافرا ، أو إن أباه معاوية كان كافرا ، [ ص: 148 ] وإنه قتل الحسين تشفيا وأخذا بثأر أقاربه من الكفار فهو أيضا كاذب مفتر ، ومن قال إنه تمثل لما أتي برأس الحسين :


لما بدت تلك الحمول وأشرفت تلك الرؤوس على ربى جيرون     نعق الغراب فقلت نح أو لا تنح
فلقد قضيت من النبي ديوني



أو "من الحسين ديوني" .

والديوان الشعري الذي يعزى إليه عامته كذب ، وأعداء الإسلام كاليهود وغيرهم يكتبونه للقدح في الإسلام ، ويذكرون فيه ما هو كذب ظاهر ، كقولهم إنه أنشد :


ليت أشياخي ببدر شهدوا     جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكبش من أقرانهم     وعدلناه ببدر فاعتدل



وأنه تمثل بهذا ليالي الحرة فهذا كذب .

وهذا الشعر لعبد الله بن الزبعرى أنشده عام أحد لما قتل المشركون حمزة ، وكان كافرا ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ، وقال أبياتا يذكر فيها إسلامه وتوبته . [ ص: 149 ]

فلا يجوز أن يغلى لا في يزيد ولا غيره ، بل لا يجوز أن يتكلم في أحد إلا بعلم وعدل .

ومن قال : إنه إمام ابن إمام ، فإن أراد بذلك أنه تولى الخلافة كما تولاها سائر خلفاء بني أمية والعباس فهذا صحيح ، لكن ليس في ذلك ما يوجب مدحه وتعظيمه ، والثناء عليه وتقديمه ، فليس كل من تولى أنه كان من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ، فمجرد الولاية على الناس لا يمدح بها الإنسان ولا يستحق على ذلك الثواب ، وإنما يمدح ويثاب على ما يفعله من العدل والصدق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد وإقامة الحدود ، كما يذم ويعاقب على ما يفعله من الظلم والكذب والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وتعطيل الحدود ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الجهاد .

وقد سئل أحمد بن حنبل ، عن يزيد أيكتب عنه الحديث؟ فقال : لا ، ولا كرامة ، أليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل؟

وقال له ابنه : إن قوما يقولون إنا نحب يزيد . فقال : هل يحب يزيد أحد فيه خير؟ فقال له : فلماذا لا تلعنه؟ فقال : ومتى رأيت أباك يلعن أحدا؟

ومع هذا فيزيد لم يأمر بقتل الحسين ، ولا حمل رأسه إلى بين يديه ، ولا نكت بالقضيب على ثناياه ، بل الذي جرى هذا منه هو عبيد الله بن زياد ، كما ثبت ذلك في "صحيح البخاري" ، ولا طيف برأسه [ ص: 150 ] في الدنيا ، ولا سبي أحد من أهل الحسين ، بل الشيعة كتبوا إليه وغروه ، فأشار عليه أهل العلم والنصح بأن لا يقبل منهم ، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل ، فرجع أكثرهم عن كتبهم ، حتى قتل ابن عمه ، ثم خرج منهم عسكر مع عمر بن سعد حتى قتلوا الحسين مظلوما شهيدا ، أكرمه الله بالشهادة كما أكرم بها أباه وغيره من سلفه سادات المسلمين .

وكان بالعراق طائفتان : طائفة من النواصب تبغض عليا وتشتمه ، وكان منهم الحجاج بن يوسف ، وطائفة من الشيعة تظهر موالاة أهل البيت منهم المختار بن أبي عبيد الثقفي . وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن أسماء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "سيكون في ثقيف كذاب ومبير" فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي ، والمبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي .

وكان المختار أظهر أولا التشيع والانتصار للحسين ، حتى قتل الأمير الذي أمر بقتل الحسين وأحضر رأسه إليه ، ونكت بالقضيب على ثناياه : عبيد الله بن زياد .

ثم أظهر أنه يوحى إليه ، وأن جبريل يأتيه ، حتى بعث ابن الزبير إليه أخاه مصعبا فقتله ، وقتل خلقا من أصحابه . ثم جاء عبد الملك ابن مروان فقتل مصعب بن الزبير . فصار النواصب والروافض في يوم عاشوراء حزبين ، هؤلاء يتخذونه يوم مأتم وندب ونياحة ، [ ص: 151 ] وهؤلاء يتخذونه يوم عيد وفرح وسرور . وكل ذلك بدعة وضلالة .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" .

وروى الإمام أحمد عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها الحسين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها" .

فدل هذا الحديث الذي رواه الحسين على أن المصيبة إذا ذكرت وإن قدم عهدها فالسنة أن يسترجع فيها ، وإذا كانت السنة الاسترجاع عند حدوث العهد بها فمع تقدم العهد أولى وأحرى .

التالي السابق


الخدمات العلمية