الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فلما كان السلف عالمين بحقائق الأدلة العقلية والسمعية وأنها متلازمة ، علموا أنه يمتنع أن تكون متعارضة ، فإن الأدلة القطعية اليقينية يمتنع تعارضها ، لوجوب ثبوت مدلولها ، فلو تعارضت لزم إما الجمع بين النفي والإثبات ، وإما رفعهما . والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان . لكن جاء بعدهم من أهل الكلام من قصر في معرفة ما جاء به الرسول وما يوجبه النظر المعقول ، فظنوا في أقوال الرب وأفعاله في مسألة حدوث العالم وغيرها ظنونا مخطئة ، ليست مطابقة لخبر الرسل ولا لموجب العقل ، وصار يظن من لا يعرف دين الرسل أن هذا هو دينهم ، ورأوا في ذلك ما يناقض صريح العقل .

فكان هذا من أسباب اضطراب الناس في أمر الرسل :

فطائفة تقول : إنما جاءوا في العلوم الإلهية بطريق التخييل وخطاب الجمهور .

وطائفة تقول : بل جاءوا بطريق لا يدل على المقصود ، بل يشعر بنقيضه ، ليعرف الناس الحق بأنفسهم لا من جهة الأنبياء . ثم يتأولون ما قالته الأنبياء على ما عندهم .

وطائفة تقول : فيما جاءت به الأنبياء متشابه لا يعلم معناه لا الأنبياء ولا غيرهم ، ظنوا أن الوقف على قوله وما يعلم تأويله إلا الله ، وأنه إذا كان الوقف على هذا فالمراد بالتأويل صرف اللفظ [ ص: 291 ] عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح . وصار من هؤلاء من يقول : هذه الألفاظ تجرى على ظاهرها ، ولا يعلم تأويله إلا الله ، فيجمع بين النقيضين .

ولم يعلموا أن لفظ "التأويل" بحسب تعدد الاصطلاحات صار مشتركا في ثلاثة معان :

معناه في القرآن هو ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهره ، كقوله تعالى : هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق . وهذا التأويل لا يعلمه إلا الله ، كوقت الساعة .

ويراد بالتأويل نفس الكلام وما قصد إفهام الناس إياه ، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم . ولا يجوز أن ينزل الله كتابا يأمر بتدبره وعقله ، وقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كله للمسلمين ، ويكون فيه ما لا يعلم تفسيره لا النبي ولا أحد من أمته .

ويراد بالتأويل تحريف الكلم عن مواضعه ، وتفسير الكلام بغير مراد المتكلم ، كتحريف أهل الكتاب لما حرفوه من الكتاب ، وتحريف الملاحدة وأهل الأهواء لما حرفوه من معاني هذا الكتاب . وهذا تأويل باطل يعلم الله أنه باطل ، لا أنه يعلم أنه حق ، كما قال تعالى : قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض . فإنه سبحانه [ ص: 292 ] يعلم الأشياء على ما هي عليه ، يعلم الموجود موجودا والمعدوم معدوما ، فما كان معدوما لا يعلمه موجودا . وهذا باب واسع .

التالي السابق


الخدمات العلمية