الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في انتفاع الإنسان بعمل غيره

[ ص: 201 ] فصل

في انتفاع الإنسان بعمل غيره [ ص: 202 ] [ ص: 203 ] قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية :

من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع ، وذلك باطل من وجوه كثيرة :

أحدها : أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير .

ثانيها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها .

ثالثها : لأهل الكبائر في الخروج من النار ، وهذا انتفاع بسعي الغير .

رابعها : أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض ، وذلك منفعة بعمل الغير .

خامسها : أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته ، وهذا انتفاع بغير عملهم .

سادسها : أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير .

سابعها : قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين : وكان أبوهما صالحا فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما . [ ص: 204 ]

ثامنها : أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع ، وهو من عمل الغير .

تاسعها : أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة ، وهو انتفاع بعمل الغير .

عاشرها : أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة ، وهو انتفاع بعمل الغير .

حادي عشرها : المدين قد امتنع - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة ، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب ، وانتفع بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو من عمل الغير .

ثاني عشرها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن صلى وحده : "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" ، فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير .

ثالث عشرها : أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه ، وذلك انتفاع بعمل الغير .

رابع عشرها : أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه ، وهذا انتفاع بعمل الغير . [ ص: 205 ]

خامس عشرها : أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر ، وهذا انتفاع بعمل الغير .

سادس عشرها : أن جليس أهل الذكر يرحم بهم ، وهو لم يكن منهم ، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له ، والأعمال بالنيات ، فقد انتفع بعمل غيره .

سابع عشرها : الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه ، وهو عمل غيره .

ثامن عشرها : أن الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد ، وهو انتفاع للبعض بالبعض .

تاسع عشرها : أن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وقال تعالى : ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ، وقال تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض .

فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض ، وذلك انتفاع بعمل الغير .

عشروها : أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل ، فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له فيها . [ ص: 206 ]

حادي عشريها : أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ، ويثاب على ذلك ولا سعي له .

ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى ، فكيف يجوز أن نتأول الآية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث