الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قاعدة في الانغماس في العدو وهل يباح؟

ومن هذا الباب : الذي يكره على الكفر فيصبر حتى يقتل ولا يتكلم بالكفر; فإن هذا بمنزلة الذي يقاتله العدو حتى يقتل ولا يستأسر لهم ، والذي يتكلم بالكفر بلسانه [وهو] موقن من قلبه بالإيمان بمنزلة المستأسر للعدو . فإن كان هو الآمر الناهي ابتداء كان بمنزلة المجاهد ابتداء . فإذا كان الأول أعز الإيمان وأذل الكفر كان هو الأفضل .

وقد يكون واجبا إذا أفضى تركه إلى زوال الإيمان من القلوب وغلبة الكفر عليها وهي الفتنة ، فإن الفتنة أشد من القتل . فإذا كان بترك القتل يحصل من الكفر ما لا يحصل بالقتل ، وبالقتل يحصل من الإيمان ما لا يحصل بتركه ترجح القتل واجبا تارة ومستحبا أخرى . وكثيرا ما يكون ذلك تخويفا به فيجب الصبر على ذلك .

قال تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير [ ص: 330 ] وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

فأخبر أن الكافرين لا يزالون يقاتلون المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم . وأخبر أنه من ارتد فمات كافرا خالدا في النار .

ومن هذا ما ذكره الله عن عباده المؤمنين في كتابه ، كما قال تعالى : وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب إلى قوله : وقد جاءكم بالبينات من ربكم .

وقال تعالى : وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض إلى قوله : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين .

وقال تعالى : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون . [ ص: 331 ]

وقال تعالى : إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم .

وقال تعالى : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .

وقال تعالى : ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلى قوله : ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .

وقال تعالى : قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إلى قوله : ما يفعلون بالمؤمنين شهود .

وقد روى مسلم في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "كان ملك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت ، فابعث إلي غلاما أعلمه السحر . فبعث إليه غلاما يعلمه . وكان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه وسمع كلامه . فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد [ ص: 332 ] إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خفت الساحر فقل : حبسني أهلي ، فإذا خفت أهلك فقل حبسني الساحر . فبينما هو كذلك ، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ، فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا ، فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس . فرماها وقتلها ، ومضى الناس . فأتى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب : أي بني أنت اليوم أفضل مني ، وقد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي . وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس [من] سائر الأدواء . وأصبح جليس الملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة . فقال : ما ههنا لك إن أنت شفيتني . قال : إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل ، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك ، فآمن بالله فشفاه الله عز وجل . فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس .

فقال له الملك : من رد عليك بصرك؟ قال : ربي . قال : ولك رب غيري؟ قال : ربي وربك الله . فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ، فجيء بالغلام ، فقال له الملك : أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل . قال : فقال إني لا أشفي أحدا ، وإنما يشفي الله عز وجل . فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب . فجيء بالراهب; فقال له : ارجع عن دينك; فأبى .

فدعا بالمنشار; فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه حتى وقع شقاه . ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك; فأبى .

فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه به حتى وقع شقاه . ثم جيء [ ص: 333 ] بالغلام ، فقيل له : ارجع عن دينك; فأبى . فدفعه إلى نفر من أصحابه .

فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ، فاصعدوا به إلى الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه . فذهبوا به فصعدوا به الجبل ، فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت . فرجف بهم الجبل فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك . فقال له الملك : ما فعل أصحابك؟ قال : كفانيهم الله . فدفعه إلى نفر آخر من أصحابه فقال : اذهبوا به فاجعلوه في قرقور ، ثم توسطوا البحر فإذا رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت . فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك؟ فقال : كفانيهم الله . فقال : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به . فقال : ما هو؟ قال : إنك تجمع الناس في صعيد واحد ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي ، ثم ضع السهم في كبد القوس ، ثم قل : باسم الله رب الغلام ، ثم ارم ، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني .

فجمع الناس في صعيد واحد ، وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهما من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس . ثم قال : باسم الله رب الغلام ، ثم رماه فوقع السهم في صدغه ، فوضع يده في صدغه ، فمات . فقال الناس : آمنا برب الغلام . فأتي الملك ، فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ، قد والله نزل بك حذرك; قد آمن الناس .

فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت ، وأضرمت فيها النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له : اقتحم . ففعلوا ، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست . فقال لها الغلام : يا أمه اصبري فإنك على الحق" . [ ص: 334 ]

ففي هذا الحديث أنه قتل جليس الملك والراهب بالمناشير ، ولم يرجعا عن الإيمان . وكذلك أهل الأخدود صبروا على التحريق بالنار ولم يرجعوا عن الإيمان . وأما الغلام فإنه أمر بقتل نفسه لما علم أن ذلك يوجب ظهور الإيمان في الناس ، والذي يصبر [حتى] يقتل أو يحمل حتى يقتل لأن في ذلك ظهور الإيمان من هذا الباب .

وفي صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة . فقلنا : ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل ، فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار ، فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، [وما] يصده ذلك عن دينه . والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون" .

وفي رواية : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : ألا تدعو الله . فقعد وهو محمر وجهه فقال : "لقد كان من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد" .

والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال لهم ذلك آمرا لهم بالصبر على أذى الكفار ، وإن بلغوا بهم إلى حد القتل صبرا ، كما قتلوا المؤمنين صبرا; [ ص: 335 ] ومدحا لمن يصبر على الإيمان حتى يقتل .

(والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . تمت بعونه تعالى في 25 محرم 1319) . [ ص: 336 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث