الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما دية الخطأ المحض وعمد الخطأ فالذي عليه جمهور الأمة من المتقدمين والمتأخرين أنها واجبة على العاقلة تتحملها عن القاتل ، وشذ منهم الأصم ، وابن علية وطائفة من الخوارج فأوجبوها على القاتل دون العاقلة كالعمد ، احتجاجا [ ص: 341 ] بقول الله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى [ فاطر : 18 ] وقوله تعالى : لتجزى كل نفس بما تسعى [ طه : 15 ] وقوله تعالى : كل نفس بما كسبت رهينة [ المدثر : 38 ] أي مأخوذة .

                                                                                                                                            وبما روي أن الحسحاس بن عمرو العنبري قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، الرجل من قومي يجني أفؤآخذ به فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : من هذا منك ؟ وكان معه ابنه فقال : ابني أشهد به . أي أعلمه قطعا وليس بمستلحق ، فقال : إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ولم يرد بذلك فعل الجناية ، لأنه قد يجني كل واحد منهما على صاحبه ، وإنما أراد به أن لا يؤاخذ بجنايتك ولا تؤاخذ بجنايته .

                                                                                                                                            وروى أياد بن لقيط عن أبي رمثة قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبي فرأى التي في ظهره ، فقال له أبي : دعني أعالجها فإني طبيب ، فقال : أنت رفيق والله الطبيب ، من هذا معك ؟ فقال : ابني أشهد به ، فقال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه .

                                                                                                                                            وروى الحكم عن مسروق عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه وهذا نص .

                                                                                                                                            قالوا : ولأنه لما لم يتحمل العاقلة قيم الأموال لم يتحمل دية النفوس ، ولأن العاقلة لو تحملت دية الخطأ لتحملت دية العمد ، ولأن الدية عقوبة فلم تتحملها العاقلة كالقود ، ولأن لقتل الخطأ موجبين : الدية والكفارة ، فلما لم تتحمل العاقلة الكفارة لم تتحمل الدية .

                                                                                                                                            والدليل على أن العاقلة تتحمل الدية قول الله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى [ المائدة : 2 ] وتحمل العاقلة من جملة البر والتقوى فدخل في عموم الآية ، وروى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها .

                                                                                                                                            وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال : اقتتلت امرأتان من بني هذيل ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثتها ولدها ومن [ ص: 342 ] معه ، فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلي : يا رسول الله ، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك يطل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا من إخوان الكهان من أجل مسجعه الذي سجعه .

                                                                                                                                            وروى الشعبي عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية المقتولة على عاقلة القاتلة ، وروى أبو عازب عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : القود بالسيف والخطأ على العاقلة .

                                                                                                                                            وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ميز بين معاقل قريش والأنصار فجعل معاقل قريش فيهم ، ومعاقل الأنصار في بني ساعدة .

                                                                                                                                            وروى حماد عن إبراهيم أن عليا والزبير اختصما إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في موالي صفية بنت عبد المطلب لأن الزبير ابنها وعليا ابن أخيها ، فقضى للزبير بالميراث وعلى علي بالعقل .

                                                                                                                                            ولأن إجماع الصحابة انعقد في قصة عمر بن الخطاب حين أنفذ رسوله إلى امرأة في قذف بلغه عنها فأجهضت ذات بطنها ، فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا : لا شيء عليك إنما أنت معلم ، وسأل عليا فقال : إن كانا اجتهدا فقد أخطآ وإن كانا ما اجتهدا فقد غشيا عليك الدية ، فقال عمر : عزمت عليك لا تبرح حتى تضربها على قومك ، يعني قريشا لأنهم عاقلته ، فقضى بها عليهم فتحملوها عنه ، ولم يخالفه منهم ولا من جميع الأمة أحد مع انتشار القضية ، وظهورها في الكافة ، فثبت أنه إجماع لا يسوغ خلافه ولأن اختصاص العاقلة بالاسم موجب لاختصاصهم بالحكم ، وفقد الحكم يوجب زوال الاسم ، ولأن العقل في كلامهم المنع ، وقد كانت العرب في الجاهلية يمنعون عن القاتل بأسيافهم ، فلما منعهم الإسلام من السيف عوض منه منعهم منه بأموالهم ؟ ولذلك انطلق اسم العاقلة عليهم ، ولأن النفوس مغلظة على الأموال ، وقتل الخطأ يكثر بين الناس ، وفي إيجاب الدية على القاتل في ماله أحد أمرين إما استئصال ماله إن كان واحدا وقل أن يتسع لتحمل الدية مال الواحد ، وإما إهدار الدم إن كان معدما ، وفي تحمل العاقلة عنه مواساة تفضي إلى حفظ الدماء واستبقاء الأحوال ، وهذا أدعى إلى المصلحة وأبعث على التعاطف ، ولأنه لما تحمل بالنسب بعض حقوق الله تعالى في الأموال وهو زكاة الفطر جاز أن يتحمل بعض حقوق الآدميين في الأموال وهو ديات الخطأ ، فأما الجواب عن الآية فحقيقة الوزر الإثم ، وهو لا يتحمل ، وكذلك ظاهر الآيتين محمول على أحد أمرين : إما المأثم وإما أحكام عمده .

                                                                                                                                            وأما قوله في الخبرين أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه فعنه جوابان :

                                                                                                                                            [ ص: 343 ] أحدهما : أن الأبناء والآباء لا يتحملون العقل وإنما يتحمله من عداهم من العصبات .

                                                                                                                                            والثاني : أنه يحمل على العمد الذي لا يتحمل عن القاتل ولا يؤاخذ به غيره ، وكذلك الجواب عن قوله : " لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه " .

                                                                                                                                            وأما جمعهم بين الأموال والنفوس فغير صحيح ، لتغليظ النفوس على الأموال ، ولذلك دخلت القسامة في النفوس ولم تدخل في الأموال .

                                                                                                                                            وأما العمد فلأنه عن معصية يستحق فيها القود ، والعاصي لا يعان ولا يواسى ، والقود لا يدخله تحمل ولا نيابة .

                                                                                                                                            وأما الكفارة فمن حقوق الله تعالى التي تتعلق بالمال تارة وبالصيام تارة ، ولا يصح فيها عفو فلم يدخلها مواساة ، وخالفتها الدية في هذه الأحكام مخالفتها في التحمل والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية