الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

311 - إبراهيم القبطي ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يكنى أبا رافع :

شهد فتح مصر واختط بها ، وروى عنه من أهلها علي بن رباح ، وصار أبو رافع بعد ذلك إلى علي بن أبي طالب ، فولاه بيت مال الكوفة . وتوفي بالكوفة في هذه السنة ، رضي الله عنه .

312 - الأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة ، أبو محمد :

قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة ، ثم رجع إلى اليمن ، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد فأخذ وحمل إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه مقيدا ، فأسلم ومن عليه وزوجه أخته . [ ص: 168 ]

وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهد مع سعد قتال الفرس بالعراق ، وكان على راية كندة بصفين مع علي رضي الله عنه ، وحضر قتال الخوارج بالنهروان ، وورد المدائن ثم عاد إلى الكوفة فأقام بها حتى مات في الوقت الذي صالح فيه الحسن معاوية ، وتوفي ابن ثلاث وستين سنة .

313 - بشير بن عبد المنذر ، أو لبابة :

رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين خرج إلى بدر ، واستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره ، فكان كمن شهدها ، وشهد أحدا ، واستخلفه على المدينة حين خرج إلى غزاة السويق ، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزاة الفتح ، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المشاهد ، ولما استشاروه ببني قريظة أشار إليهم أنه الذبح ، ثم ندم فارتبط إلى أسطوانة حتى تاب الله عليه .

314 - تميم بن أوس بن خارجة بن سويد الداري ، ويكنى أبا رقية :

وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة الداريين عند منصرفه من تبوك ، فأقاموا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي ، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري ، قال: أخبرنا ابن حيوية ، قال: أخبرنا أحمد بن معروف ، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم ، قال: أخبرنا محمد بن سعد ، قال: أخبرنا محمد بن عمر ، قال: حدثني العطاف بن خالد ، عن خالد بن سعيد ، قال: قال تميم الداري : كنت بالشام حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إلى بعض حاجتي ، فأدركني الليل ، فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة . قال: فلما أخذت مضجعي إذ مناد ينادي لا أراه: عذ بالله فإن الجن لا تجير أحدا على الله ، فقلت: ما تقول؟ قال: قد خرج رسول الله الأمين وصلينا خلفه بالحجون وأسلمنا واتبعناه ووهن كيد الجن ورميت بالشهب ، وانطلق إلى محمد فأسلم ، فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت [ ص: 169 ] راهبا به وأخبرته الخبر ، فقال: قد صدقوك ، نجده قد خرج من الحرم وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه ، قال: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت .

قال محمد بن سعد: وأخبرنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال: أخبرنا خالد الحداء ، عن أبي قلابة ، قال: كان تميم الداري يختم القرآن في سبع ليال .

قال علماء السير: استأذن تميم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقص على الناس ، فأذن له ، فلما قتل عثمان رضي الله عنه تحول إلى الشام .

315 - الحارث بن خزمة بن عدي بن أبي بن غنم ، أبو بشير :

شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي في هذه السنة ، وهو ابن سبع وستين سنة .

316 - خارجة بن حذافة بن غانم :

شهد الفتح بمصر ، واختط بها ، وكان أمير المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب . وكان على شرطة مصر في إمرة عمرو بن العاص لمعاوية ، قتله خارجي بمصر في هذه السنة وهو يظن أنه عمرو بن العاص .

317 - خوات بن جبير ، أبو عبد الله ، وقيل أبو صالح الأنصاري المديني:

وهو صاحب ذات النحيين في الجاهلية التي ضرب بها المثل ، فقيل: "أشغل من ذات النحيين" .

أسلم خوات وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى بدر ] ، فأصابه بالروحاء حجر ، فكسر ، فرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وضرب له بأجره وبسهمه فكان كمن شهدها . [ ص: 170 ]

وذكر البخاري في تاريخه: عن ابن عيينة أنه شهد بدرا .

وقد شهد أحدا والمشاهد بعدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فأما قصة ذات النحيين:

فأنبأنا أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ ، قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبال ، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الإشبيلي ، وأبو الحسن الحصيب بن عبد الله بن محمد القاضي ، وأبو علي محسن بن جعفر بن أبي الكرام ، قالوا: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن أحمد السمرقندي ، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن داود المنقري البصري ، قال: حدثني عيسى بن إبراهيم ، قال: حدثنا عفيف بن سالم الموصلي ، عن عثمان بن واقد ، قال: قال خوات بن جبير: كنت صاحب ذات النحيين في الجاهلية - والنحي الزق الصغير - وإني أتيت سوق عكاظ فإذا أنا بجارية معها نحيان من سمن كأنها فلقة قمر ، فقلت لها: من أنت؟ قالت:

أنا سلمى بنت يعار الخثعمية ، فقلت: لعل سمنك هذا مشوبا؟ فقالت: سبحان الله ، أو تشيب الحرة؟ فقلت لها: انزلي إلى بطن الوادي لأذوق سمنك ، فنزلت فأخذت إحدى النحيين فذقته ، ثم قلت لها: ما هذا بمشوب ، ثم دفعته إليها في يدها مفتوحا ، ثم أخذت الآخر فذقته ثم دفعته إليها في يدها اليسرى ، ثم شددت عليها فقضيت منها حاجتي ، وكرهت أن ترسله ، وكان قوت أهلها ، فذهبت مثلا: "أشغل من ذات النحيين" ثم أسلمت وهاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما أنا في بعض طريق المدينة إذا أنا ببغي من بغايا الجاهلية قد كانت لي خلا فحجبني إسلامي عنها ، ودعتني نفسي إليها ، فلم أزل ألتفت إليها حتى تلقاني جدار بني جذرة ، فسالت الدماء وهشم وجهي ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الحالة ، فقال: "مهيم" فأخبرته ، فقال: "فلا تعد ، إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا" .

ثم مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ليال وأنا جالس مع نسوان من نسوان أهل المدينة تناشدنني وتضاحكنني وتمازحنني ، قال: فعلمت أنه قد رآني ، قال: فمضى ولم يقل [ ص: 171 ] شيئا ، فلما أن كان من الغد غدوت عليه ، فلما رآني قال: "يا خوات أما آن لذلك البعير أن يرجع عن شروده" قال: قلت: والله يا رسول الله ما شرد منذ أسلمت ، قال: "صدقت ولكن لا تعد إلى ذلك المجلس فإنه مجلس الشيطان"
.

[قال مؤلف الكتاب رحمه الله]: قد فسر هذا الحديث أبو عبيدة الهروي وقال: عرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصته مع ذات النحيين . قال: وأراد بقوله: "شروده" أنه لما فعل ذلك شرد في الأرض خوفا ، وليس هذا بشيء ، فإنه ما كان ليعيره بشيء كان في الجاهلية ، وإنما لامه على مجالسته النسوان بعد الإسلام . وقد روى ذلك لنا في حديث أبين من هذا .

أنبأنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور ، قال: أخبرنا القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد الأسدي ، قال: حدثنا زكريا بن يحيى بن الحارث البصري ، قال: حدثنا وهب بن جرير ، عن أبيه ، قال: سمعت زيد بن أسلم يحدث أن خوات بن جبير ، قال: نزلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، فخرجت من خبائي ، فإذا [أنا] بنسوة يتحدثن فأعجبنني فرجعت ، فاستخرجت حلة لي من عيبتي فلبستها ، ثم جلست إليهن ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبته ، فقال لي: "يا عبد الله ما يجلسك إليهن"؟ قال: فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يا رسول الله جمل لي شرود أبتغي له قيدا قال: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعته ، فألقى إلي رداءه ودخل الأراك فقضى حاجته وتوضأ ، ثم جاء فقال: "أبا عبد الله ، ما فعل شراد جملك؟ " قال: فتعجلت إلى المدينة ، فاجتنبت المسجد ومجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما طال ذلك علي تحينت ساعة خلوة للمسجد فجعلت أصلي ،

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حجره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين ثم جلس ، [ ص: 172 ] وطولت رجاء أن يذهب ويدعني ، فقال: "طول يا أبا عبد الله ما شئت ، فلست بنازح حتى تنصرف" فقلت: والله لأعتذرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبرئن صدره .

قال: فانصرفت ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ، فقال: "أبا عبد الله ما فعل شراد الجمل؟ " فقلت: يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت ، فقال: "رحمك الله" مرتين أو ثلاثا ، ثم أمسك عني فلم يعد
.

توفي خوات بن جبير بالمدينة في هذه السنة وهو ابن أربع وسبعين سنة ، وكان ربعة من الرجال .

التالي السابق


الخدمات العلمية