الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

3- الإسلام في عالم الملايو:

اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ وصول الإسلام إلى مناطق عالم الملايو، فبعضهم يرى أن الدين الإسلامي الحنيف وصل إلى المنطقة في القرن الأول الهجري (السـابع الميلادي) في عهد خلافة سيدنا عثمان بن عفان t [1] ، بينما يرى بعضهم أن الإسلام جاء إلى جزر أرخبيل الملايو

[2] بحضارته العالمية في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).

وهناك قول ثالث مؤداه أن الوفود التجارية الإسلامية من أجناس مختلفة كالهنود والعرب والفرس والصينيين هي التي حملت رسالة التوحيد إلى موانئ ومدن تجارية بهذه المناطق في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) [3] . [ ص: 51 ]

ويقال: إن العلاقة بين بلاد العرب والشرق الأقصى كانت قائمة فعلا منذ ما قبل البعثة، وهكذا، فمن المنطقي أن يكون الإسلام قد وصل مناطق الأرخبيل في القرن الهجري الأول (فيما بين القرنين السابع والثامن الميلادي) بسبب العلاقات التجارية بين هذين العالمين.

وأما انتشار الإسلام، فيمكن القول: إن الإسلام قد دخل أرخبيل الملايو أولا عن طريق الجهود الفردية، التي بدأها التجار العرب والرحالة العارفون بجغرافية الموانئ منذ القدم، ثم تكاثرت رحلاتهم عن طريق مركزهم التجاري في الهند، وتبعهم سكان الهند الذين أسلموا، وكذلك أناس من فارس، التي أصبحت جزءا من العالم الإسلامي منذ وقت مبكر من التاريخ الإسلامي.

وفي تلك المرحلة كان الداخلون في الإسلام يكتفون بإعلان الشهادتين وأداء أركان الإسلام، كالصلاة والصوم [4] .

وقد مر انتشار الإسلام في عالم الملايو بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: وتشمـل على وجه التقريب الفترة ما بين 705-778هـ/1200-1273م، وهي مرحلة التعـرف الشكلي الاسمي على الإسلام.

والمرحلة الثانية: وتشمل على وجه التقريب الفترة ما بين 803-1112هـ\1401-1700م، وهي مرحلة اعتناق الإسلام. [ ص: 52 ]

والمرحـلـة الثالثـة: وتشمـل تقريـبا الفـتـرة ما بين 1112هـ/1700م وما بعدها، وهي الفترة التي شهدت استمرارا للمرحلة السابقة وتأكيدا لها، وتزامنت مع مجيء القوى الغربية الاستعمارية إلى المنطقة.

وفي هذا الطور تم الانتقال من مرحلة التفسيرات الأسطورية، التي بدأت تهتز وتفقد شرعيتها إلى مرحلة اتسمت بتفسيرات تعتمد الفهم للتعاليم الشرعية والفكر والعقل والنظام.

فالأهمية الكبرى لهذه المرحلة من انتشار الإسلام تكمن في أنها أحدثت تغيـيرا عظيـما في النـظرة الـكلية (World view) عنـد المسـلمين في هـذه المنطقة.

لقد شهد تاريخ وصول الإسلام وانتشاره بين شعوب هذه البقاع مداولات عديدة بين المؤرخين والعلماء، ولكن الملاحظ في جلها هو الاعتراف التام بحضـارية منهج الدعـوة للإسـلام ومدى سلاسة عملية توغل الإسلام في حيـاة وقـلـوب الملايويـين، ويسـتـوي في هـذه النـظـرة المؤرخـون المسـلمون والغربيون [5] .

ولعل أشهر من كتب من الغربيين في هذا الموضوع، تومي فيرس (Tome Piars)، الذي يرى أن دخول الإسلام السلمي إلى شبه جزيرة الملايو كان عن [ ص: 53 ] طريق التجار المسلمين، الذين استوطنوا المنطقة بصورة دائمة. وصاهروا السكان الأصليين، وهكذا رغبوا وأقنعوا غير المسلمين باعتناق الإسلام [6] .

وتؤكد الباحثـة الهولنـدية هنـدريك كرن (Hendrick Kern) أن الإسلام قد انتشر في جزر المحيط الهندي (أرخبيل الملايو) عن طريق الإقناع والصلات الحسنـة، والصداقـة والتزاوج بين المؤمنين (المسلمين) والوثنيين، سكان البلاد الأصليين. وقبل أن تشهد بلاد الملايو هذا التوسع الإسلامي الكبير كان التجار المسلمـون، وأغلبهم من العرب، يملأون أهم موانئ سومطرة، مثل: سامودرا (Samudra)، وفاساي (Pasai)، وأشيه (Acheh)، وما جاورها من الجزر، فهم الذين بذروا بذرة الإسلام، التي نمت وأينعت من بعد، وأثمرت ثمرا كثيرا [7] .

وقد أيد توماس أرنولد (Tomas Arnold) ما ذهبت إليه هندريك؛ فقد أشار إلى دور آلية الزواج بين العرب والمـلايويات في نشر الإسـلام وقيمه في تلك الربوع. وهي صيغة عمد إليها العرب المهاجرون، الذين عرفوا في المنطقة بلقب الأسياد؛ نظرا لقيامهم بشـؤون الدين بين الملايويين.. وقد فتحت آلية الزواج من بنات سلاطين وملوك المنطقة أمام العرب أبوابا كبيرة [ ص: 54 ] للدعوة للإسلام والنفوذ السياسي، وهي ظاهرة استمرت حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي [8] .

ولقد تضافرت عدة عوامل، انتهت إلى قيام سلطنات ومدارس ومراكز علميـة إسـلاميـة على امتداد سواحل دول الملايو، في الفـترة مـا بين القرن الثـالث عشـر والخـامـس عشـر الميلاديين، مثل: سـلطنة مـالاقـا (1377-1786م)، وسلطنـة آشيه (1497-1867م)، وسلطنة فطاني (1355-1786م) وغيرها من السلطنات الملايوية، التي قامت على امتداد سواحل المنطقة [9] ، وتكاتف الدعاة العرب والتجار المسلمون مع أمراء بلاد الملايو في وضع الأسـس الإسلامية لهذه الممالك الملايوية المسلمة، مما قلص مساحات الاختلاف بين تلك الأعراق المختلفة، التي جمعها الإسلام تحت مظلته بشكل ندر حدوثه في تاريخ تلك المنطقة، ولا يزال هذا التمازج والتآخي بين الدماء العربية في عروق العديد من سلاطين الملايو

[10] إلى الآن، ناهيك عن عامة الشعب. [ ص: 55 ]

وتقف قصة "الحبيب عبد الرحمن" مع أهل آشيه حين أرغموه على تولي قيادتهم وتنظيم مقاومتهم للغزو الهولندي في القرن التاسع عشر دليلا على درجة التآخي، الذي جمع السكان الأصليين بالعرب المهاجرين، وهي تجسيد لروح الأخوة، التي غرسها الإسلام في قلوب متبعيه منذ الأيام الأولى لقيام أول دولة له في التاريخ بعد الهجرة النبوية الشريفة حين عمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسر روح الولاء القبلي لصالح الولاء للفكرة عن طريق آلية الإخاء، التي فعلها في أول أيام الهجرة.

وقد انتظمت في هذه الممـالك والسلطنات، بناء على حالة الاستقرار السياسي، الذي تحقق لها، مراكز علمية: الكتاتيب التقليدية (Pondok) [11] ، التي انخـرط فيها المريـدون والعـلـمـاء في حـلقات علمية وثقافية نشطة في مدارس ومعاهد منفصلة وملحقة بالمساجد، كتلك التي قامت في المشرق والمغرب العربيين [12] .

ويلاحظ أن انتشار الإسلام في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وبروناي دار السلام وجنوب تايلاند (وهي سلطنات إسلامية في أرخبيل الملايو) كان في مراحل زمنية متصلة وبأساليب وجهود مشتركة. [ ص: 56 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث