الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5678 5679 5680 ص: حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : "أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ". . حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: ثَلَاثٌ هُنَّ سُحْتٌ..." ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. شرح معاني الآثار ش: هَذَانِ إِسْنَادَانِ رِجَالُهُمَا كُلُّهُمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ. الْأَوَّلُ: عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، قِيلَ: اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ: اسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ وَكُنْيَتَهُ وَاحِدٌ. عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَاسْمُهُ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطَّلَاقِ: عَنْ عَلِيٍّ . وَفِي الطِّبِّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ... إِلَى آخِرِهِ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَهُ فِي الْبُيُوعِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ . وَفِي الْإِجَارَةِ: عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ... إِلَى آخِرِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْبُيُوعِ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ . وَعَنْ قُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ . وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، ثَلَاثَتِهِمْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ... إِلَى آخِرِهِ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ: عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ... إِلَى آخِرِهِ. الثَّانِي: عَنْ يُونُسَ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ... إِلَى آخِرِهِ. قَوْلُهُ: "وَمَهْرِ الْبَغِيِّ" الْبَغِيُّ - بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - الْفَاجِرَةُ، وَأَصْلُهُ: بَغُويٌ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ وَهِيَ صِفَةٌ لِمُؤَنَّثٍ فَلِذَلِكَ جَاءَتْ بِغَيْرِ هَاءٍ كَمَا تَجِيءُ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ نَحْوَ رُكُوبٍ وَحَلُوبٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَغِيٌّ هَا هُنَا عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَتْهُ الْهَاءُ كَامْرَأَةٍ حَلِيمَةٍ وَكَرِيمَةٍ، وَالْبِغَاءُ - بِكَسْرِ الْيَاءِ مَمْدُودٌ - الزِّنَا وَالْفُجُورُ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ يُقَالُ: بَغَتِ الْمَرْأَةُ تَبْغِي بِغَاءً بِالْكَسْرِ، وَامْرَأَةٌ بَغِيٌّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا وَتُجْمَعُ عَلَى بَغَايَا. قَوْلُهُ: "وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ" الْحُلْوَانُ - بِالضَّمِّ - الرَّشْوَةُ، وَهُوَ مَا يُعْطَى الْكَاهِنَ وَيُجْعَلُ لَهُ عَلَى كَهَانَتِهِ تَقُولُ مِنْهُ: حَلَوْتُ الرَّجُلَ حُلْوَانًا إِذَا حَبَوْتَهُ بِشَيْءٍ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ شُبِّهَ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ، يُقَالُ: حَلَوْتُهُ إِذَا أَطْعَمْتَهُ الْحُلْوَ، كَمَا يُقَالُ: عَسَلْتُهُ إِذَا أَطْعَمْتَهُ الْعَسَلَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْحُلْوَانُ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا: أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ عَيْبٌ عِنْدَ النِّسَاءِ، قَالَتِ امْرَأَةٌ تَمْدَحُ زَوْجَهَا: لَا يَأْخُذُ الْحُلْوَانَ مِنْ بَنَاتِنَا وَفِي "شَرْحِ الْمُوَطَّأِ" لِابْنِ زَرْقُونَ: وَأَصْلُ الْحُلْوَانِ فِي اللُّغَةِ الْعَطِيَّةُ، قَالَ الشَّاعِرُ: فَمَنْ رَجُلٌ أَحْلُوهُ رَحْلِي وَنَاقَتِي يُبَلِّغُ عَنِّي الشِّعْرَ إِذَا مَاتَ قَائِلُهْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: حَلَوْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا مَالًا، وَأَنَا أَحْلُوهُ حُلْوًا وَحُلْوَانًا: إِذَا وَهَبْتَ لَهُ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ يَفْعَلُهُ لَكَ غَيْرَ الْأُجْرَةِ، وَالْحُلْوَانُ أَيْضًا: أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ لِنَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُعَيِّرُ بِهِ. وَ: "الْكَاهِنُ": الَّذِي يُخْبِرُ بِالْغَيْبِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَ: "الْعَرَّافُ": الَّذِي يُخْبِرُ بِمَا أُخْفِيَ وَقَدْ حَصَلَ فِي الْوُجُودِ، وَيُجْمَعُ الْكَاهِنُ عَلَى كَهَنَةٍ وَكُهَّانٍ، يُقَالُ: كَهَنَ يَكْهُنُ كِهَانَةً، مِثْلَ كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابَةً إِذَا تَكَهَّنَ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ صَارَ كَاهِنًا قُلْتَ: كَهُنَ - بِالضَّمِّ - كَهَانَةً - بِالْفَتْحِ -. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْكَاهِنُ الَّذِي يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ، وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ كَشِقِّ وَسَطِيحٍ وَغَيْرِهِمَا، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ وَرَئِيًّا يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ حَالِهِ، وَهَذَا يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ "الْعَرَّافِ" كَالَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ "مَنْ أَتَى كَاهِنًا" قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى إِتْيَانِ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ وَالْمُنَجِّمِ. قَوْلُهُ: "ثَلَاثَةٌ هُنَّ" أَيْ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ هُنَّ. "سُحْتٌ" أَيْ: حَرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: السُّحْتُ: الْحَرَامُ الَّذِي لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْحِتُ الْبَرَكَةَ أَيْ: يُذْهِبُهَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَحْكَامٌ: الْأَوَّلُ: فِيهِ أَنَّ ثَمَنَ الْكَلْبِ حَرَامٌ، وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ مُسْتَقْصًى. الثَّانِي: فِيهِ أَنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ حَرَامٌ، وَهُوَ مَا يُعْطَى عَلَى النِّكَاحِ الْمُحَرَّمِ، وَإِذَا كَانَ مُحَرَّمًا وَلَمْ يُسْتَبَحْ بِعَقْدٍ؛ صَارَتِ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ لَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّ مَا حُرِّمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلًا. وَقَالَ الْقَاضِي: لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ (لِأَنَّهُ ثَمَنٌ عَنْ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى إِبْطَالِ أَجْرِ الْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ. الثَّالِثُ: فِيهِ أَنَّ حُلْوَانَ الْكَاهِنِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- نَهَى عَنْ إِتْيَانِ الْكُهَّانِ مَعَ أَنَّ مَا يَأْتُونَ بِهِ بَاطِلٌ وَجُلُّهُ كَذِبٌ، قَالَ تَعَالَى: تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى مِثْلِ هَذَا - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ - مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَلِأَنَّ الْكَاهِنَ يَقُولُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَيُعَانُ بِمَا يُعْطَاهُ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية