الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5177 5178 5179 5180 5181 ص: وقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الذي عض ذراع رجل فانتزع ذراعه فسقط ثنيتا العاض أنه أبطل ذلك، وتواترت عنه الآثار في ذلك فمنها: ما حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا الوهبي ، قال: ثنا ابن إسحاق ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان ، عن عميه سلمة بن أمية ويعلى بن [ ص: 234 ] أمية ، قالا: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا فقاتل رجلا من المسلمين، فعض الرجل ذراعه فجبذها من فيه، فنزع ثنيته، فأتى الرجل النبي -عليه السلام- يلتمس العقل، فقال: ينطلق أحدكم إلى أخيه فيعضه عضيض الفحل ثم يأتي يطلب العقل؟! لا عقل لها فأبطلها رسول الله -عليه السلام".

                                                حدثنا يونس ، قال: ثنا ابن وهب ، قال: أخبرني ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، أن صفوان بن يعلى بن أمية ، حدثه، عن يعلى بن أمية ، قال: " كان لي أجير، فقاتل إنسانا فعض أحدهما صاحبه فانتزع إصبعه فسقطت ثنيتاه، فجاء إلى رسول الله -عليه السلام- فأهدر ثنيته - قال عطاء: : حسبت أن صفوان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -: أيدع يده في فمك فتقضمها كقضم الجمل؟!".

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن يعلى بن أمية ... ، فذكر نحوه، إلا أنه قال: " كقضم البكر". .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا حبان ، قال: ثنا أبان، قال: ثنا قتادة ، عن زرارة، عن عمران بن حصين ، -رضي الله عنه-: "أن رجلا عض ذراع رجل، فانتزع ذراعه فسقطت ثنيتا الذي عضه، فقال رسول الله -عليه السلام-: أردت أن تقضم يد أخيك كما يقضم الفحل؟! فأبطلها".

                                                حدثنا علي بن معبد ، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال: أنا شعبة ، عن قتادة ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                فلما كان للمعضوض نزع يده وإن كان في ذلك تلف ثنايا غيره، وكان حراما عليه القصد إلى نزع ثنايا غيره بغير إخراج يده من فيه، ولم يكن القصد في ذلك إلى غير التلف كالقصد إلى التلف في الإثم ولا في وجوب العقل؛ كان كذلك كل من له أخذ شيء وفي أخذه إياه تلف غيره مما يحرم عليه القصد إلى تلفه، كان له القصد إلى أخذ ما له أخذه من ذلك وإن كان فيه تلف ما يحرم عليه القصد إلى تلفه، فكذلك العدو قد حل لنا قتالهم، وحرم علينا قتال نسائهم وولدانهم، فحرام علينا القصد إلى

                                                [ ص: 235 ] ما نهينا عنه من ذلك، وحلال لنا القصد إلى ما أبيح لنا وإن كان فيه تلف ما قد حرم علينا من غيرهم، ولا ضمان علينا في ذلك.

                                                وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، - رحمهم الله -.

                                                التالي السابق


                                                ش: ذكر حكم العاض ها هنا شاهدا لما ذكره من قوله في معرض الاحتجاج لأهل المقالة الثانية إنما وقع النهي في ذلك على القصد إلى قتل النساء والولدان، فإما على طلب قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى ذلك منه إلا بتلف صبيانهم ونسائهم فلا بأس بذلك.

                                                تقرير الكلام: أن المعضوض لما كان له نزع يده من فم العاض وإن كان في ذلك تلف ثنايا العاض؛ لأن ذلك التلف يحصل ضمنا لا قصدا، والضمنيات لا تعلل، فكذلك حكم قتل نساء الكفار وأولادهم إذا كان في ضمن قتل الكفار من غير قصد إليهم، وهذه قاعدة مطردة في كل من فعل شيئا لا يقدر على فعل ذلك الشيء إلا بتلف غيره الذي يحرم عليه القصد إلى تلفه ابتداء؛ فله فعل ذلك الشيء وإن كان فيه تلف ما يحرم عليه القصد إلى تلفه؛ لأنا قد ذكرنا أن تلف ذلك يحصل ضمنا لا قصدا فلا شيء لذلك، والله أعلم.

                                                قوله: "وكان حراما عليه القصد" "الواو" للحال وانتصاب "حراما" على أنه خبر "كان" مقدما على اسمه، وهو قوله "القصد".

                                                قوله: "ولا في وجوب العقل" بالعين والقاف: وهو الدية.

                                                قوله: "وفي أخذه إياه تلف غيره" الواو للحال، و: "تلف غيره" مرفوع بالابتداء، وفي أخذه مقدما خبره، والضمير في "أخذه" يرجع إلى "من" وفي "إياه" إلى قوله: "شيء".

                                                قوله: "فحرام" مرفوع على أنه خبر عن قوله: "القصد" مقدما، وكذلك قوله: "وحلال لنا القصد".

                                                [ ص: 236 ] ثم إنه أخرج أحاديث هذا الباب عن ثلاثة من الصحابة -رضي الله عنهم-، وهم: سلمة بن أمية ويعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميميين المكيين، وعمران بن الحصين -رضي الله عنهم-.

                                                أما حديث سلمة ويعلى فأخرجه من ثلاث طرق:

                                                الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي الحمصي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن محمد بن إسحاق المدني ، عن عطاء بن أبي رباح المكي ، عن صفوان بن عبد الله ، عن عميه سلمة ويعلى ابني أمية .

                                                وفي "التكميل": صفوان بن عبد الله التميمي ، عن عميه سلمة ويعلى حديث الثنية، هكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن عطاء، عنه.

                                                وقد روى غير واحد، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه. وهو المحفوظ.

                                                قلت: وهكذا أخرجه النسائي: أنا عمران بن بكار، أنا أحمد بن خالد، نا محمد ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن صفوان بن عبد الله ، عن عميه سلمة ويعلى ابني أمية قالا: "خرجنا مع رسول الله -عليه السلام- في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا..." إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه: "فطرح ثنيته".

                                                الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن عبد الملك بن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه يعلى بن أمية ... إلى آخره.

                                                وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.

                                                [ ص: 237 ] وأخرجه أبو داود في "الديات": عن مسدد ، عن يحيى ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى ، عن أبيه يعلى بن أمية... إلى آخره نحوه.

                                                الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، عن شعبة بن الحجاج ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مجاهد ، عن يعلى بن أمية ... إلى آخره.

                                                وهذا أيضا إسناد صحيح.

                                                وأخرجه النسائي: أنا مالك بن الخليل، نا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن يعلى بن منية: "أنه قاتل رجلا، فعض أحدهما صاحبه، فانتزع يده من فيه، فقلع ثنيته، فرفع ذلك إلى النبي -عليه السلام-: [فقال] يعض أحدكم أخاه كما يعض البكر؟! فأبطلها" وله في رواية أخرى: "فأطلها" أي: أبطلها.

                                                قوله: "في غزوة تبوك" كانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة.

                                                قوله: "فنزع ثنيته" وهي واحدة الثنايا من السن.

                                                قوله: "يلتمس العقل" أي يطلب العقل، أي الدية.

                                                قوله: "عضيض الفحل" قال ابن الأثير: أصل العضيض: اللزوم، يقال: عض عليه يعض عضيضا إذا لزمه، والمراد به ها هنا: العض نفسه؛ لأنه بعضه له؛ يلزمه.

                                                قوله: "فأهدر" من الإهدار وهو الإبطال.

                                                قوله: "أيدع يده" الهمزة فيه للاستفهام، أي: أيترك.

                                                قوله: "فيقضمها" من القضم - بالضاد المعجمة - وهو الأكل بأطراف الأسنان.

                                                [ ص: 238 ] قوله: "كقضم البكر" بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف، وهو الفتي من الإبل.

                                                وأما حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- فأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن حبان - بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة - ابن هلال الباهلي البصري ، عن أبان بن يزيد العطار ، عن قتادة بن دعامة ، عن زرارة بن أوفى العامري ، عن عمران بن حصين -رضي الله عنه-.

                                                وأخرجه النسائي: أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، نا أبو هشام، نا أبان، نا قتادة، نا زرارة بن أوفى ، عن عمران بن حصين: "أن رجلا عض ذراع رجل فانتزع ثنيته، فانطلق إلى النبي -عليه السلام- فذكر ذلك له، فقال: أردت أن تقضم ذراع أخيك كما يقضم الفحل؟! فأبطلها".

                                                وأخرجه الترمذي: عن علي بن خشرم ، عن عيسى بن يونس ، عن شعبة ، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى، به.

                                                وقال: حسن صحيح.

                                                الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري ، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن زرارة ، عن عمران بن حصين .

                                                وأخرجه النسائي: عن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة ... إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه ابن ماجه: عن علي بن محمد ، عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن زرارة، به.

                                                [ ص: 239 ] ومما يستفاد منه: أن من عض يد رجل فجذب المعضوض يده من فم العاض فسقطت ثنية العاض؛ لا يجب على المعضوض شيء.

                                                وفي "فتاوى الخشني": ولو عض ذراع رجل فجذبه من فيه فقض أسنان العاض وذهب بعض لحم ذراع هذا، فدية الأسنان هدر، وضمن العاض أرش ذراع هذا، وكذا ذكره في "خلاصة الفتاوى".

                                                ***




                                                الخدمات العلمية