الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5104 ص: وقد تكلم الناس في المرتد عن الإسلام أيستتاب أم لا؟ فقال قوم: إن استتاب الإمام المرتد فهو أحسن فإن تاب وإلا قتله، وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد - رحمهم الله -.

                                                وقال آخرون: لا يستتاب، وجعلوا حكمه حكم الحربيين على ما ذكرنا من بلوغ الدعوة إياهم وفي تقصيرها عنهم، وقالوا: إنما تجب الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة منه به، فأما من خرج عنه إلى غيره على بصيرة منه فإنه يقتل ولا يستتاب، وهذا قول قد قال به أبو يوسف في كتاب "الإملاء" فقال: أقتله ولا أستتيبه إلا إنه إن بدرني بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله - عز وجل -.

                                                وقد حدثنا سليمان بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبي يوسف بذلك أيضا.

                                                التالي السابق


                                                ش: إنما ذكر حكم المرتد واختلاف الناس فيه والآثار الواردة فيه استطرادا لما ذكره من الخلاف في وجوب الدعوة قبل القتال مع الكفار وعدم وجوبها.

                                                والهمزة في قوله: "أيستتاب" للاستفهام، وهو على صيغة المجهول من الاستتابة، وهي طلب التوبة.

                                                قوله: "فقال قوم" أراد بهم: عمر بن عبد العزيز والشعبي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا والشافعي في قول، فإنهم قالوا: حكم المرتد أن يقتل، وعرض الإسلام عليه ليس بواجب؛ لأنه قد بلغته الدعوة، ولكن الإمام إن استتابه فحسن، فإن تاب قبلت توبته وإلا يقتل.

                                                [ ص: 160 ] قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون: "لا يستتاب المرتد بل يقتل"، وأراد بهؤلاء: الحسن البصري والليث بن سعد وسفيان بن محمد بن الجراد. ومذهبهم منقول عن أنس -رضي الله عنه-.

                                                وقال أبو بكر الرازي: وقال الليث: الناس لا يستتيبون من ولد في الإسلام إذا شهد عليه بالردة، ولكنه يقتل تاب في ذلك أو لم يتب إذا كانت البينة العادلة.

                                                وقال الشافعي: يستتاب المرتد ظاهرا، والزنديق إن تاب قبل وإن لم يتب قتل، وفي الاستتابة ثلاثا، قولان.

                                                وقال أيضا: اختلف في استتابة المرتد والزنديق، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر في الأصل: لا يقتل المرتد حتى يستتاب، ومن قتل مرتدا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه.

                                                وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الزنديق الذي يظهر الإسلام: قال أبو حنيفة: أستتيبه كالمرتد، فإن أسلم خليت سبيله، وإن أبى قتلته. وقال أبو يوسف بذلك زمانا فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال: أرى إذا أتيت بزنديق أمرت بضرب عنقه ولا أستتيبه، فإن تاب قبل أن أقتله خليته.

                                                وذكر سليمان بن شعيب ، عن أبيه، عن أبي يوسف قال: إذا زعم الزنديق أنه قد تاب حبسته حتى أعلم توبته.

                                                وذكر محمد في "السير" عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن المرتد يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم وإلا قتل مكانه، إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام؛ ولم يحك خلافا.

                                                وقال ابن حزم في "المحلى" ما ملخصه: إن الناس اختلفوا في حكم المرتد، فقالت طائفة: لا يستتاب. وهو قول أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وطاوس وعبيد بن عمير والحسن البصري .

                                                [ ص: 161 ] وقالت طائفة: يستتاب مرة، فإن تاب وإلا قتل؛ وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة وأصحابه، قالوا: إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام فقط.

                                                وقالت طائفة: يستتاب ثلاث مرات. وهو قول عثمان بن عفان والزهري.

                                                وقالت طائفة: يستتاب مائة مرة. وهو قول الحسن بن حي .

                                                وقالت طائفة: يستتاب شهرا. وهو قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-. وروي أيضا عن مالك وعن بعض أهل مذهبه.

                                                وقالت طائفة: يستتاب شهرين.

                                                وقالت طائفة: يستتاب أبدا دون قتل.

                                                وقالت طائفة: يستتاب أربعين يوما.

                                                وقالت طائفة: يفرق بين المسر والمعلن، واستدلوا بما روي عن علي -رضي الله عنه- "أنه أتى بأناس من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام، فسألهم فجحدوا، فقامت عليهم البينة العدول، فقتلهم ولم يستتبهم، وأتي برجل كان نصرانيا فأسلم ثم رجع عن الإسلام، فسأله فأقر بما كان منه فاستتابه فتاب فتركه، فقيل له: كيف استتبت هذا ولم تستتب أولئك؟! قال: إن هذا أقر بما كان منه، وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة؛ فلذلك لم أستتبهم".

                                                وعن ابن شهاب أنه قال في الزنديق: "إما هو جاحد وقد قامت عليه البينة فإنه يقتل ولا يستتاب، وإما هو جاء تائبا معترفا فإنه يترك".

                                                وبه يقول مالك والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق وأحد قولي أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد روي عن أحمد التوقف فيه.

                                                وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن وأبو حنيفة وأصحابه في أحد قولهم: يستتاب المسر كما يستتاب المعلن، وتقبل توبتهما معا.

                                                [ ص: 162 ] وقال ابن حزم : وقال أصحابنا: إن أقر بعد جحوده وصدق البينة قبلنا توبته، وإن تمادى على الإنكار قتل ولابد.

                                                وقالت طائفة: يفرق بين من ارتد ثم رجع ثلاث مرات، وبين من ارتد إلى أربعة، فرأوا أن يقتل في الرابعة ولا تقبل توبته. وهو قول إسحاق بن راهويه .

                                                وقالت طائفة: يفرق بين من أسلم وعرف شرائع الإسلام وبين من أسلم ولم يعرف شرائع الإسلام. ويروى نحو هذا عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز .

                                                وقالت طائفة: يفرق بين من صلى ومن لم يصل. وهو قول عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك؛ فإنه قال: من أسلم من أهل الكفر إلا أنه لم يصل فإنه يترك والرجوع إلى دينه متى شاء ولا يمنع إلا أن يصلي، فإن صلى فحينئذ يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل.

                                                وقالت طائفة: يفرق بين الرجل والمرأة، فكما روينا عن ابن عباس قال: "المرتدة تحبس ولا تقتل". وعن الحسن البصري: "المرتدة تباع وتكره". كذلك فعل أبو بكر بنساء أهل الردة وباعهن.

                                                وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال في المرتدة: "تستأمى"، أي: تجعل أمة، وعن الزهري أنها تستتاب، فإن تابت إلا قتلت. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو سليمان وجميع أصحابهم، وهو أحد قولي أبي يوسف، ثم رجع عنه، وهو قول ابن أبي ليلى وعثمان البتي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهم.

                                                قلت: مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المرتدة أنها لا تقتل، ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام بالضرب في كل يوم مبالغة في الإلجاء إلى الإسلام؛ لأنه -عليه السلام- نهى عن قتل النساء.




                                                الخدمات العلمية