الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5316 5317 ص: وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- في غير هذا الحديث ما يدل أن مراده في هذا الحديث هو ما ذكرنا.

                                                [ ص: 447 ] حدثنا أبو بشر الرقي ، قال: ثنا أبو معاوية ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن محمد بن عبيد الله ، قال: "خرج رجل من أهل البصرة يقال له: أبو عبد الله إلى عمر ، -رضي الله عنه- فقال: إن بأرض البصرة أرضا لا تضر بأحد من المسلمين وليست أرض خراج، فإن شئت أن تقطعنيها أتخذها قضبا وزيتونا ونخلا فافعل. فكان أول من افتلى الفلايا بأرض البصرة، . قال: فكتب عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى -رضي الله عنه-: إن كانت حمى فأقطعها إياه".

                                                أفلا ترى أن عمر -رضي الله عنه- لم يجعل له أخذها ولا جعل له ملكها إلا بإقطاع خليفته ذلك الرجل إياها؟! ولولا ذلك لكان يقول له: وما حاجتك إلى إقطاعي إياك؛ لأن لك أن تحييها دوني وتعمرها فتملكها؛ فدل ذلك أن الإحياء عند عمر -رضي الله عنه- هو ما أذن الإمام فيه للذي يتولاه وملكه إياه.

                                                وقد دل على ذلك أيضا: ما حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا أزهر السمان ، عن ابن عون ، عن محمد ، قال: قال عمر -رضي الله عنه-: " لنا رقاب الأرض". .

                                                فدل ذلك على أن رقاب الأرضين كلها إلى أئمة المسلمين، وأنها لا تخرج من أيديهم إلا بإخراجهم إياها إلى من رأوا؛ على حسن النظر منهم للمسلمين في عمارة بلادهم وصلاحها.

                                                وهذا قول أبي حنيفة -رضي الله عنه- وبه نأخذ.

                                                التالي السابق


                                                ش: ذكر هذا عمر -رضي الله عنه- شاهدا لما ذكره من المعنى في الأثر السابق المروي عن عمر أيضا، وتأييدا لصحة التأويل الذي أوله أبو حنيفة ومن تبعه فيه وفيما يشابهه من الأحاديث المرفوعة.

                                                وأخرج ذلك بإسناد صحيح: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي ، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير ، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني - بالشين المعجمة - الكوفي، عن محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي الأعور الكوفي ... إلى آخره.

                                                [ ص: 448 ] وأخرجه البيهقي في "سننه": من حديث أبي معاوية ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال: "كان بالبصرة رجل يقال له: نافع أبو عبد الله، فأتى عمر -رضي الله عنه- فقال: إن بالبصرة أرضا ليست من أرض الخراج ولا تضر بأحد من المسلمين، وكتب إليه أبو موسى يعلمه بذلك، فكتب عمر إلى أبي موسى: إن كانت ليست تضر بأحد من المسلمين وليست من أرض الخراج فأقطعها إياه".

                                                قوله: "يقال له أبو عبد الله" قد صرح في رواية البيهقي أن اسمه نافع .

                                                قوله: "أن تقطعنيها" من الإقطاع بكسر الهمزة من قولهم: أقطع السلطان فلانا أرضا الفلانية: إذا جعلها له ليتصرف فيها إجارة وزراعة، والإقطاع يكون تمليكا وغير تمليك، ومنه الحديث: "أقطع النبي -عليه السلام- الناس الدور" يعني أنزلهم في دور الأنصار.

                                                قوله: "قضبا" بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة وهو الرطبة، وأهل مكة - حرسها الله - يسمون القت قضبا، قاله الصغاني، والقضب أيضا شجر يتخذ منه القسي.

                                                قوله: "فافعل" جواب الشرط؛ أعني قوله: "فإن شئت أن تقطعنيها".

                                                قوله: "فكان أول من افتلى الفلايا [..................].

                                                قوله: "فكتب عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى" وهو عبد الله بن قيس الأشعري -رضي الله عنه- وكان نائبه بالبصرة، ولاه عمر -رضي الله عنه- في سنة سبع عشرة من الهجرة بعد أن عزل المغيرة بن شعبة -رضي الله عنهما- لأمر اقتضى ذلك.

                                                [ ص: 449 ] قوله: "وقد دل على ذلك أيضا" أي على ما ذكرنا من أن مراد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من قوله: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" هو ما ذكرنا من التأويل.

                                                قوله: "ما حدثنا" في محل الرفع؛ لأنه فاعل لقوله: "وقد دل".

                                                وأخرجه بإسناد صحيح، ورجاله ثقات.

                                                وابن عون هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري .

                                                ومحمد هو ابن سيرين .

                                                قوله: "لنا رقاب الأرض" أي: نفس الأرض، أراد أن نفس الأرض لأئمة المسلمين، وأنها لا تخرج من أيديهم إلا إذا أخرجوها إلى من رأوا من المسلمين، والله أعلم.

                                                ***




                                                الخدمات العلمية