الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6230 ص: ثم كان الكلام بين أهل هذا القول وبين الفرقة التي تخالف هؤلاء جميعا وتقول: إن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد وتذهب إلى أن ما كان من النبي -عليه السلام- مما احتجت به الفرقتان الأوليان لقولهما منسوخ أو مخصوص؛ فمما دل على ذلك: أن الكبش لما كان يجزئ عن غير واحد لا وقت في ذلك ولا عدد كانت

                                                [ ص: 544 ] البدنة والبقرة أحرى أن تكونا كذلك وأن تكونا تجزيان عن غير واحد لا وقت في ذلك ولا عدد.

                                                ثم قد روينا عن النبي -عليه السلام- ما قد دل على خلاف ذلك قد ذكرناه في هذا الباب الذي قبل هذا من نحر أصحابه معه الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة وكان ذلك عند أصحابه على التوقيف منه لهم على أن البقرة والبدنة لا تجزئ واحدة منهما عن أكثر مما ذبحت عنه يومئذ.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بأهل هذا القول: أهل المقالة الثانية وأهل المقالة الأولى الذين ذكرهما بقوله: "وافترق أهل هذه المقالة على فرقتين" وأراد بالفرقة التي تخالف هؤلاء جميعا: سفيان الثوري والنخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر، وأشار بقوله: "وهؤلاء جميعا" إلى الفرقتين المذكورتين.

                                                قوله: "تقول" أي الفرقة التي تخالف هؤلاء، إن الشاة لا تجزئ أن يضحى بها إلا عن شخص واحد.

                                                قوله: "وتذهب" عطف على قوله: "تقول" وأشار بذلك إلى الجواب عما احتجت به الفرقتان المذكورتان فيما ذهبتا إليه، بيان ذلك: أن ما ذهب [إليه] هؤلاء إما منسوخ وإما مخصوص.

                                                أما النسخ فبحديث جابر -رضي الله عنه-: "نحرنا مع رسول الله -عليه السلام- البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" وقد أخرجه في الباب الذي قبله وكانت الصحابة -رضي الله عنهم- عرفوا بذلك أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة وأن البقرة لا تجزئ أيضا عن أكثر من سبعة لأن هذا أمر توقيفي ولا مجال للقياس فيه، فصار هذا ناسخا لما روي من تضحيتهم سبعين بدنة عام الحديبية، وكان الناس يومئذ سبع مائة رجل.

                                                وأما التخصيص فظاهر.

                                                [ ص: 545 ] قوله: "فمما دل على ذلك" أي على النسخ بيانه: أن الكبش لما كان يجزئ عن غير واحد وذلك كما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي رافع وأبي هريرة وعائشة -رضي الله عنهم- من غير تعيين لوقت و: [لا] لعدد، - وهو معنى قوله: "لا وقت في ذلك ولا عدد"- كانت البدنة أو البقرة بالطريق الأولى أن تجزئا عن غير واحد من غير تعيين لوقت و: [لا] لعدد فتقييد أهل المقالة الأولى الجواز بكونها من أهل بيت واحد مردود بهذا، ولكن حديث جابر الذي ذكرناه الآن ناسخ لهذا كما بينا. فافهم.

                                                فإن قيل: ما الدليل على النسخ؟

                                                قلت: لو لم يكن ثمة نسخ لما احتاج أحد من هذه الأمة إلى أن يضحي ولما كان لقوله -عليه السلام-: "من وجد سعة لئن يضحي ولم يضح فلا يحضر مصلانا" فائدة.




                                                الخدمات العلمية