الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5216 ص: وأما ما ذكروا من حديث فاطمة -رضي الله عنها- حيث سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخدمها خادما من السبي الذي كان قدم عليه، فلم يفعل ووكلها إلى ذكر الله - عز وجل - والتسبيح، فهذا ليس فيه عندنا دليل لهم على ما ذكروا؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يقل لها عندما سألته: لا حق لك فيه، ولو كان ذلك كذلك لبين ذلك لها كما بينه للفضل بن العباس وربيعة بن الحارث حين سألا أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهل بيته وقد يجوز أن يكون لم يعطها الخادم حينئذ لأنه لم يكن قسم، فلما قسم أعطاها حقها من ذلك وأعطى غيرها أيضا حقه، فيكون تركه إعطاءها إنما كان لأنه لم يقسم، ودلها على

                                                [ ص: 304 ] تسبيح الله وتحميده وتهليله الذي يرجو لها به الفوز من الله - عز وجل - والزلفى عنده، وقد يجوز أن يكون أخدمها من ذلك بعد ما قسم، ولا نعلم في الآثار ما يدفع شيئا من ذلك، وقد يجوز أن يكون منعها منه لأنها ليست قرابة، ولكنها أقرب من القرابة؛ لأن الولد لا يقال: هو من قرابة أبيه، إنما يقال ذلك لمن غيره أقرب إليه منه، ألا ترى إلى قول الله - عز وجل -: قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين فجعل الوالدين غير الأقربين؛ لأنهم أقرب من الأقربين؟ فكما كان الوالد يخرج من قرابة ولده، فكذلك الولد يخرج من قرابة والده، وقد قال محمد بن الحسن: نحوا مما ذكرنا، في رجل قال: قد أوصيت بثلث مالي لقرابة فلان: أن والديه وولده لا يدخلون في ذلك؛ لأنهم أقرب من القرابة وليسوا بقرابة، واعتل في ذلك بهذه الآية التي ذكرنا.

                                                فهذا وجه آخر، فارتفع بما ذكرنا أن يكون لهم أيضا بحديث فاطمة -رضي الله عنها- هذا حجة في نفي سهم ذوي القربى.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وكانوا قد احتجوا على ذلك بحجج، منها حديث فاطمة -رضي الله عنها- على ما مر؛ فأجاب عن ذلك بقوله: "وأما ما ذكروا من حديث فاطمة -رضي الله عنها-..." إلى آخره، وبنى الجواب عن ذلك على ثلاثة أوجه:

                                                الأول: هو قوله: "فهذا ليس فيه عندنا دليل..." إلى آخره.

                                                تقريره أن يقال: لا نسلم أن حديث فاطمة يدل على ما ذكرتم؛ لأنه لم يقل لها عند سؤالها: ليس لك فيه حق؛ إذ لو كان منعه إياها عنه لعدم استحقاقها بذلك لكان -عليه السلام- قد بينه لها؛ لأنه موضع الحاجة إلى البيان، كما بين للفضل بن العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف حين سألاه أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: "إنما هي" - أي الصدقة - "أوساخ الناس" أي

                                                [ ص: 305 ] أوساخ أموالهم، "وإنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهل بيته"، وقد مر حكم هذا الحديث في باب: "الصدقة على بني هاشم" مستوفى.

                                                الوجه الثاني: هو قوله: "وقد يجوز أن يكون منعها منه..." إلى آخره.

                                                تقريره أن يقال: يجوز أن يكون منعه -عليه السلام- إياها عن ذلك، لا لكونها غير مستحقة لذلك، بل إنما كان ذلك لكونه -عليه السلام- لم يقسم ذلك السبي حينئذ ولم يكن له أن يعطي منه أحدا شيئا قبل القسمة، فلما قسمه جاز أن يكون أعطاها من ذلك شيئا، وأعطى غيرها أيضا حقه، فيكون الترك لعلة عدم القسمة؛ فصبرها حينئذ ودلها على ما هو خير من ذلك مما يقربها إلى الله تعالى والزلفى عنده، وهو تسبيح الله تعالى وتحميده وتهليله.

                                                الوجه الثالث: هو قوله: "وقد يجوز أن يكون منعها منه لأنها ليست قرابة..." إلى آخره.

                                                تقريره أن يقال: يجوز أن يكون منعه إياها عنه لكونها ليست بقرابة؛ لأنها أقرب من القرابة، ألا ترى أن الولد لا يقال: هو من قرابة أبيه؛ لأنه أقرب من ذلك؟ والدليل على ذلك عطف الأقربين على الوالدين في الآية المذكورة والمعطوف غير المعطوف عليه، فيكون الوالدان غير الأقربين؛ لأنهما أقرب من الأقربين، فإذا خرج الوالد من قرابة ولده فكذلك الولد يخرج من قرابة والده، وعلى هذا بنى محمد بن الحسن في "المبسوط" في كتاب الوصايا المسألة المذكورة وهي ظاهرة.




                                                الخدمات العلمية