الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
20606 - أخبرنا أبو عبد الله ، وأبو سعيد ، قالوا: حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي : قال لي بعض من خالفنا في المدبر: على أي شيء اعتمدت؟ قلت: "على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قطع الله بها عذر من علمها" .

20607 - قال: فعندنا فيها حجة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثكم باعه، ولم يسأله صاحبه بيعه؟ قلت: " نعم، العلم يحيط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لا يبيع على أحد ماله إلا فيما لزمه أو بأمره؟ " .

20608 - قال: فبأيهما باعه؟.

20609 - قلت: " أما الذي يدل عليه آخر الحديث في دفعه ثمنه إلى صاحبه الذي دبره، فإنه دبره، وهو يرى أنه لا يجوز له بيعه حين دبره، وكان يريد [ ص: 429 ] بيعه إما محتاجا إلى بيعه، وإما غير محتاج، فأراد الرجوع، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فباعه. فكان بيعه دلالة على أن بيعه جائز له إذا شاء، وأمره: إذا كان محتاجا أن يبدأ بنفسه فيمسك عليها، نرى ذلك لئلا يحتاج إلى الناس ".

20610 - قال الشافعي : قال قائل: روينا عن أبي جعفر محمد بن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما باع خدمة المدبر وذكره في كتاب القديم، عن حجاج بن أرطأة ، عن أبي جعفر .

20611 - قال الشافعي : فقلت له: " ما روى هذا، عن أبي جعفر ، فيما علمت أحدا يثبت حديثه، ولو رواه من ثبت حديثه ما كان فيه لك الحجة من وجوه " .

20612 - قال: وما هي؟.

20613 - قلت: "أنت لا تثبت المنقطع لو لم يخالفه غيره، فكيف تثبت المنقطع يخالفه المتصل الثابت؟ " .

20614 - قال الشافعي : " ولو ثبت كان يجوز أن أقول: باع النبي صلى الله عليه وسلم رقبة مدبر كما حدث جابر ، وخدمة مدبر كما حدث محمد بن علي ".

20615 - ثم ساق الكلام إلى أن قال: أتقول: إن بيعه خدمة المدبر جائز. قالا: لا ، لأنها غرر. قلت: " فقد خالفت ما رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال: فلعله باعه من نفسه؟ قلت: " جابر يسمي: باعه بثمان مائة درهم من نعيم بن النحام ، ويقول: عبد قبطي يقال له: يعقوب مات عام أول في إمارة ابن الزبير ، فكيف توهم أنه باعه من نفسه؟ "، وقلت له: روى أبو جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قضى باليمين مع الشاهد فقلت: " مرسل. وقد رواه معه عدد فطرحته، وروايته يوافقه عليها عدد [ ص: 430 ] منها حديثان متصلان أو ثلاثة صحيحة ثابتة، وهو لا يخالفه فيه أحد برواية غيره، وأردت تثبيت حديث رويته عن أبي جعفر ، ويخالفه فيه جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض أصحابه شيئا لا يخالفه فيه غيره، لزمك، وقد باعت عائشة مدبرا لها فكيف خالفتها مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنتم تروون عن أبي إسحاق ، عن امرأته، عن عائشة شيئا في البيوع تزعم، وأصحابك أن القياس غيره وتقول: لا أخالف عائشة ، ثم تخالفها، ومعها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس ".

20616 - ثم ساق الكلام إلى أن قال: فهو قول أكثر الفقهاء؟ قلت: "بلى قول أكثر الفقهاء أن يباع" .

20617 - قال: لسنا نقوله ولا أهل المدينة .

20618 - قلت: " جابر بن عبد الله ، وعائشة وعمر بن عبد العزيز ، وابن المنكدر ، وغيرهم يبيعه بالمدينة ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وغيرهم من المكيين وعندك بالعراق من يبيعه، وقول أكثر التابعين ببيعه، فكيف ادعيت فيه الأكثر، والأكثر ممن مضى عليك مع أن لا حجة لأحد مع السنة، وبسط الكلام فيه وفي القياس" .

التالي السابق


الخدمات العلمية