الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وقد ورد في خصوص القيام على رأس الكبير الجالس ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس قال : إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وهم قعود .

وقال أبو الوليد بن رشد إن القيام يقع على أربعة أوجه : [ ص: 323 ]

الأول : محظور ، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام له تكبرا وتعاظما على القائمين إليه .

والثاني : مكروه ، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر ، ولما فيه من التشبه بالجبابرة .

والثالث : جائز ، وهو أن يقع على سبيل الإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة .

والرابع : مندوب ، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه ، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنيه أو مصيبة فيعزيه انتهى .

والحاصل من ذلك كله أن القيام لغير من ذكرنا مكروه .

والقاعدة زوال الكراهة بأدنى حاجة فكيف بالمصلحة الراجحة . وقد { قام النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة منهم سيدة نساء العالم فاطمة بضعته الشريفة عليها السلام } .

قالت سيدتنا وأمنا عائشة الصديقة رضوان الله عليها : { ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه } رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح .

{ ومنهم جعفر بن أبي طالب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه لما قدم من الحبشة فالتزمه ، وقبل ما بين عينيه رضوان الله عليه } .

وروى البيهقي عن واثلة بن الخطاب رضي الله عنه وهو صحابي سكن دمشق قال { دخل رجل المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فتحرك له النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل : إن في المكان سعة ، فقال للمؤمن أو للمسلم حق } .

ومنهم عكرمة بن أبي جهل ، لما دخل عليه مسلما مهاجرا قام إليه فرحا بقدومه . رواه البيهقي من طريق الواقدي بسنده مرفوعا ، ورواه مالك عن الزهري مرسلا . ومنهم زيد بن حارثة رضي الله عنه . روى الترمذي وحسنه عن عائشة رضي الله عنها قالت { دخل زيد بن حارثة المدينة : ورسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 324 ] في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده ، فاعتنقه وقبله } . ومنهم عبد الله بن أم مكتوم .

قال الخطابي في باب الضرير يولى من كتاب الإمارة { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم لابن أم مكتوم كلما أقبل ويقول مرحبا بمن عاتبني فيه ربي عز وجل } وذكره جماعة غير الخطابي من غير لفظ القيام .

وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا في المجلس يحدثنا فإذا قام قمنا قياما حتى نراه قد دخل بيوت أزواجه } .

وعن جرير رضي الله عنه { أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فألقى له كساءه ثم أقبل على أصحابه فقال إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه } رواه البيهقي من أوجه كلها ضعيفة عندهم . وروى مرسلا عن الشعبي بإسناد صحيح إليه

. وروى أبو داود عن عمرو بن السائب أنه بلغه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبوه من الرضاعة فأجلسه على بعض ثوبه ، ثم أقبلت أمه فوضع شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه } . مرسل جيد إلى غير ذلك من الأخبار والآثار .

ولذا قال أبو المعالي من أئمتنا : وإكرام العلماء وأشراف القوم بالقيام سنة مستحبة . وكره أن يطمع في القيام له للحديث . وقال شيخ الإسلام : إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فقيامهم لكتاب الله أحق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث