الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ولما ذكر القيام بعد الاستئذان وهما من متعلقات السلام ، ذكر المصافحة ; لأنها من متعلقاته أيضا فقال :

مطلب : في المصافحة : وصافح لمن تلقاه من كل مسلم تناثر خطاياكم كما في المسند ( وصافح ) أيها الأخ الحريص على اقتفاء المأثور ، وامتثال الوارد المسطور ، عن النبي الأواب ، المبعوث بالسنة والكتاب .

والمصافحة مفاعلة مأخوذة من إلصاق صفح الكف بالكف ، وإقبال الوجه على الوجه . يقال صافحته أفضيت بيدي إلى يده . وفي القاموس : المصافحة الأخذ باليد كالتصافح ( لمن ) أي رجلا مسلما وكذا صبيا حيث وثقت من نفسك وأمنت من الفتنة به لقصد تعليمه حسن الخلق ، وكذا عجوز إلا الشابة الأجنبية فتحرم مصافحتها للرجل كما في الفصول والرعاية ، وجزم به في الإقناع كغيره ; لأن المصافحة من النظر . وأطلق في رواية ابن منصور كراهة مصافحة النساء .

وقال محمد بن عبد الله بن مهران قال : قلت فيصافحها بثوبه ؟ قال : لا . والتحريم اختيار الشيخ . وعلل بأن الملامسة أبلغ من النظر .

( تلقاه من كل مسلم ) ما عدا ما ذكرنا من الشابة الأجنبية ومن يخاف به فتنة . وأفهم أنه لا يصافح غير المسلم ، وهو كذلك ، فقد سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن مصافحة أهل الذمة فقال : لا يعجبني ، وشمل إطلاقه مصافحة الرجل الرجل والمرأة المرأة .

وكذا الأمرد الأمرد بالشرط المذكور ، وهو [ ص: 326 ] كذلك . فإن تفعل من مصافحة من تلقاه ( تناثر ) بالبناء للمفعول أو للفاعل بحذف إحدى التاءين تخفيفا والأصل تتناثر وهو مجزوم في جواب الأمر .

والتناثر من النثر يقال نثر الشيء ينثره ونثره نثرا ونثارا رماه متفرقا كنثره فتناثر والمعنى تتساقط ( خطاياكم ) جمع خطيئة . وهي الذنب أو ما يتعمد منه كالخطء بالكسر والخطأ ما لم يتعمد ، والمراد هنا : مطلق الذنوب العمد وغيرها ، وأراد خطايا المتصافحين على لغة من يرى الجمع ما زاد على الواحد كما في قوله تعالى ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) يعني أخوين فصاعدا ( كما في ) الحديث ( المسند ) مخففا وشدده ضرورة للوزن .

وفي ذلك عدة أخبار ، عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار . منها ما رواه أبو داود والترمذي وحسنه عن البراء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا } .

وفي رواية لأبي داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله - تعالى - واستغفراه غفر لهما } . وأخرج الإمام أحمد واللفظ له والبزار وأبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلا كان حقا على الله عز وجل أن يحضر دعاءهما ولا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما } .

وقال أنس رضي الله عنه : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا . وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد جيد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر } وهذا الخبر الذي أشار إليه الناظم رحمه الله .

وروى البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي حذيفة فأراد أن يصافحه فتنحى حذيفة فقال : إني كنت جنبا فقال : إن المسلم إذا صافح أخاه تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر } .

[ ص: 327 ] والطبراني عن سلمان بإسناد حسن مرفوعا { إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف ، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر } .

وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا { من تمام التحية الأخذ باليد } .

وفي البخاري والترمذي عن قتادة : قلت لأنس رضي الله عنه أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم .

وأخرج أبو داود عن أيوب بن بشير العدوي عن رجل من عترة واسمه عبد الله كما قال المنذري قال وهو مجهول قال قلت لأبي ذر حيث سير إلى الشام إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله ، قال إذن أخبرك به إلا أن يكون سرا ، قلت إنه ليس بسر ، { هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه ؟ قال ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنه أرسل إلي فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت تلك أجود وأجود } .

وقال عطاء الخراساني : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { تصافحوا يذهب الغل ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء } رواه الإمام مالك هكذا معضلا ، وقد أسنده من طرق فيها مقال . وأخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة مرفوعا { إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا وتساءلا أنزل الله بينهما مائة رحمة تسعة وتسعين لأبشهما وأطلقهما وأبرهما وأحسنهما مسألة بأخيه } ومعنى لأبشهما أكثرهما بشاشة وهي طلاقة الوجه مع التبسم وحسن الإقبال واللطف في المسألة ومعنى أطلقهما أكثرهما وأبلغهما طلاقة وهي بمعنى البشاشة .

وروي عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه فإن أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه ، فإذا تصافحا نزلت عليهما مائة رحمة للبادئ منهما تسعون وللمصافح عشرة } .

وفي الحديث الصحيح عن أنس لما جاء أهل اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة } رواه أبو داود .

[ ص: 328 ] وروى الطبراني عن أبي داود الأعمى وهو متروك قال لقيني البراء بن عازب رضي الله عنه فأخذ بيدي وصافحني وضحك في وجهي ثم قال : تدري لم أخذت بيدك ؟ قلت لا إلا إنني ظننت أنك لم تفعله إلا لخير ، فقال { إن النبي صلى الله عليه وسلم لقيني ففعل بي ذلك ثم قال أتدري لم فعلت بك ذلك ؟ قلت لا قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن المسلمين إذا التقيا وتصافحا وضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه لا يفعلان ذلك إلا لله ، لم يتفرقا حتى يغفر لهما } . إلى غير ذلك من الأخبار والآثار ، والله الحليم الستار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث