الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى

، والعربد حية عظيمة تأكل الحيات وروى الحاكم وصححه عن أبي [ ص: 56 ] اليسر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو : اللهم إني أعوذ بك من الهدم والتردي وأعوذ بك من الهرم ، والغرق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك من أن أموت لديغا } . قال الجاحظ : وتأويل هذا عند العلماء أنه لا يتفق للإنسان أن يكون موته بأكل هذا العدو إلا وهو من أعداء الله ، بل من أشدهم عداوة ، فكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ منه لذلك ، وهذا ليس على إطلاقه كما لا يخفى .

وقد أمر صلى الله عليه وسلم بقتل الحية في عدة أخبار ، وأمره في ذلك للندب روى البخاري ومسلم والنسائي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال { : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى ، وقد نزلت عليه { ، والمرسلات عرفا } فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية فقال : اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقاها الله شركم كما وقاكم شرها } .

وعداوة الحية للإنسان معلومة ومعروفة . وفي التنزيل { اهبطوا بعضكم لبعض عدو } قال الجمهور : الخطاب لآدم وحواء وإبليس ، والحية .

وروى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قال : ما سالمناهن منذ عاديناهن } .

وقصة ابن حمير مشهورة ، وقال ابن عمر : من تركهن فليس منا ، وقالت عائشة رضي الله عنها : من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله ، والملائكة والناس أجمعين . وفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا ، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا } ( و ) يحسن قتل ( شبه ) أي مثل ( المعدد ) من أنواع الحشرات فكل ما شابه ذلك يقتل في الحل ، والحرم من الحلال ، والمحرم كالوزغة بالتحريك ، وهي سام أبرص . قال في حياة الحيوان : اتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات ، وجمع الوزغة وزغ وأوزاغ ووزغات . روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أم شريك رضي الله عنها { أنها استأمرت النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الوزغات فأمرها بذلك } [ ص: 57 ]

مطلب : في قوله صلى الله عليه وسلم من قتل وزغة من ضربة فله كذا ، وكذا حسنة .

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم { أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا ، وقال كان ينفخ النار على إبراهيم } ، وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من قتل وزغة من أول ضربة فله كذا ، وكذا حسنة ، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى } . وفيه أيضا { من قتلها في الضربة الأولى فله مائة حسنة ، ومن قتلها في الضربة الثانية فله دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك } .

وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا { اقتلوا الوزغ ، ولو في جوف الكعبة } لكن في إسناده عمر بن قيس المكي ضعيف

. وفي سنن ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها { أنه كان في بيتها رمح موضوع فقيل لها : ما تصنعين بهذا فقالت : نقتل به الوزغ ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار غير الوزغ ، فإنها كانت تنفخ عليه فأمر صلى الله عليه وسلم بقتلها } ، وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند .

وفي تاريخ ابن النجار عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من قتل وزغة محا الله عنه سبع خطيئات } . وفي الكامل عن ابن عباس مرفوعا { من قتل وزغة فكأنما قتل شيطانا } . وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوزغ فويسقا كالفواسق الخمس ، وتقدم أن أصل الفسق الخروج عن حيز الاعتدال ، وهذه المذكورات خرجت عن خلق معظم الحشرات بزيادة الضرر ، والأذى وتقييد الحسنات بأن في الضربة الأولى مائة حسنة وفي الثانية سبعين مخرج على حد قوله صلى الله عليه وسلم { سبع وعشرون وخمس وعشرون } من أن مفهوم العدد لا يعمل به ، فذكر السبعين لا يمنع المائة أو لعله أخبر بالسبعين ، ثم تصدق الله بالزيادة فأخبر بها ، أو يختلف باختلاف القاتل من حيث إخلاص النية وكثرة الحسنات في المبادرة أن تكون الضربات في القتل تدل على عدم الاهتمام بأمر صاحب الشرع ، إذ لو قوي عزمه واشتدت حميته لقتلها في المرة الأولى ، فعدم قتلها في المرة الأولى دل على ضعف عزمه فلذلك [ ص: 58 ] نقص أجره عن المائة إلى السبعين .

وعلل ابن عبد السلام كثرة الحسنات في الأولى بأنه إحسان في القتل فدخل في قوله : عليه الصلاة والسلام { إذا قتلتم فأحسنوا القتلة } ، أو لأنه مبادرة إلى الخير فدخل تحت قوله تعالى { فاستبقوا الخيرات } قال : وعلى كلا المعنيين فالحية ، والعقرب أولى بذلك لعظم مفسدتهما .

وروى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : من قتل حية فله سبع حسنات ، ومن قتل وزغا فله حسنة ، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا } .

( فائدة ) : ذكر أصحاب الآثار أن الوزغ أصم . قالوا والسبب في صممه ما تقدم من نفخه النار فصم بذلك وبرص ، ومن طبعه أنه لا يدخل بيتا فيه رائحة الزعفران ويألف الحيات كما تألف العقارب الخنافس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث