الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جواب الإمام ابن الجوزي عن قول بعض الزهاد لا آكل لأن نفسي تشتهيه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

جواب الإمام ابن الجوزي عن قول بعض الزهاد لا آكل ; لأن نفسي تشتهيه

قال الإمام ابن الجوزي في كتابه ( صيد الخاطر ) : بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم إليه طعام فقال : لا آكل فقيل له لم ؟ قال : لأن نفسي تشتهيه وأنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي فقلت : لقد خفيت طريق الصواب عن هذا من وجهين وسبب خفائها عدم العلم . أما الوجه الأول ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على هذا ولا أصحابه ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يأكل لحم الدجاج ويحب الحلوى ، والعسل ودخل فرقد السنجي على الحسن ، وهو يأكل الفالوذج فقال : يا فرقد ما تقول في هذا ؟ فقال : لا آكله ولا أحب من أكله فقال الحسن : لعاب النحل بلباب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم ؟ وجاء رجل إلى الحسن فقال : إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال : ولم ؟ قال : يقول لا أؤدي شكره فقال : إن جارك جاهل وهل يؤدي شكر الماء [ ص: 133 ] البارد ؟ وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج واللحم المشوي ، ويقول : إن الدابة إذا أحسن إليها عملت ، وما حدث في الزهاد بعدهم أمور من هذا الفن مسروقة من الرهبانية . وأنا خائف من قوله تعالى { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } ولا يحفظ عن أحد من السلف الأول من الصحابة من هذا الفن شيء إلا أن يكون ذلك لعارض وسبب ، مثل ما يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه اشتهى شيئا فآثر به فقيرا وأعتق جاريته رميثة ، وقال : إنها أحب الخلق إلي فهذا وأمثاله حسن ; لأنه إيثار بما هو أجود عند النفس من غيره وأكثر لها من سواه ، فإذا وقع في بعض الأوقات كسرت بذلك الفعل سورة هواها أن تطغى بنيل كل طريد ، فأما من دام على مخالفتها على الإطلاق ، فإنه يعمي قلبها ويبلد خواطرها ويشتت عزائمها فيؤذيها أكثر مما ينفعها ، وقد قال إبراهيم بن أدهم قدس الله روحه : إن القلب إذا أكره عمي قال ابن الجوزي : وتحت مقالته سر لطيف ، وهو أن الله عز وجل قد وضع طبيعة الآدمي على معنى عجيب ، وهو أنها تختار الشيء من الشهوات ما يصلحها فيعلم باختيارها له صلاحه لها وصلاحها به .

وقد قال حكماء الطب : ينبغي أن يفسح النفس فيما تشتهي من المطاعم ، وإن كان فيه نوع ضرر ; لأنها إنما تختار ما يلائمها ، فإذا قمعها الزاهد في مثل هذا عاد على بدنه بالضرر ، ولولا جواذب في الباطن من الطبيعة ما بقي البدن ، فإن الشهوة للطعام تثور ، فإذا وقعت الغنيمة بما يتناول كفت الشهوة ، فالشهوة نعم الباعث على مصلحة البدن غير أنها إذا أفرطت وقع الأذى ومتى منعت ما تريد على الإطلاق مع الأمن من فساد العاقبة عاد ذلك بفساد أحوال النفس ووهن الجسم واختلاف السقم الذي يتداعى به الجهلة مثل أن منعها الماء عند اشتداد العطش ، والغذاء عند الجوع ، والجماع عند قوة الشهوة والنوم عند غلبته ، حتى أن المغتم إذا لم يتروح بالشكوى قتله الكمد .

فهذا أصل إذا فهمه هذا الزاهد علم أنه قد خالف طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حيث النقل وخالف الموضوع في الحكمة .

قال الإمام ابن الجوزي : ولا يلزم : على هذا قول القائل من أين يصفو المطعم ؟ ; لأنه إذا لم يصف كان الترك ورعا ، وإنما الكلام في المطعم الذي ليس [ ص: 134 ] فيه ما يؤذي في باب الورع وكان ما شرحته جوابا للقائل ما أبلغ نفسي شهوة على الإطلاق .

قال : والوجه الثاني أني أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك فصار يشتهي أن لا يتناول وللنفس في هذا مكر خفي ورياء دقيق ، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت الآفة من جهة تعلقها بمثل هذا الفعل وإدلالها في الباطن به ، فهذه مخاطرة قال وربما قال بعض الجهال هذا صد عن الخير والزهد وليس كذلك ، فإن الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد } .

ولا ينبغي أن يغتر بعبادة فلان ولا بتقوى فلان ، إلى أن قال : أصل الأصول العلم ، وأنفع العلم النظر في سير الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } .

وقال في محل آخر من صيد الخاطر : علف الناقة متعين لقطع المنزل ، ألا ترى إلى سفيان الثوري ، فإنه كان شديد المعرفة ، والخوف وكان يأكل اللذيذ ويقول : إن الدابة إذا لم يحسن إليها لم تعمل . قال : ولعل بعض من يسمع كلامي هذا يقول هذا ميل على الزهاد فأقول كن مع العلماء وانظر إلى طريق الحسن وسفيان ، ومالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي وهؤلاء أصول الإسلام ولا تقلد في دينك من قل علمه ، وإن قوي زهده واحمل أمره على أنه كان يطيق هذا ولا تقتد بهم فيما لا تطيقه فليس أمرنا إلينا والنفس وديعة عندنا .

وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور : وأما المطعم فالمراد به تقوية هذا البدن لخدمة الله عز وجل ، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد ، فإن وجد اللحم أكله ويأكل لحم الدجاج ، وأحب الأشياء إليه الحلوى ، والعسل ، وما نقل عنه أنه امتنع من مباح قال : وجيء علي رضي الله عنه بفالوذج فأكل منه ، وقال : ما هذا ؟ قالوا : يوم النيروز فقال : نورزونا كل يوم ، وإنما يكره الأكل فوق الشبع ، واللبس على وجه الاختيال ، والبطر .

وقد اقتنع أقوام بالدون من ذلك ; لأن الحلال الصافي لا يكاد يمكن فيه تحصيل المراد وإلا فقد لبس النبي صلى الله عليه وسلم حلة اشتريت بسبعة وعشرين بعيرا . [ ص: 135 ] وكان لتميم الداري رضي الله عنه حلة اشتريت بألف درهم يصلي فيها بالليل فينبغي للإنسان أن يتبع الدليل لا أن يتبع طريقا ويطلب دليلها ، ثم قال : الإنسان أعرف بصلاح نفسه ، وقد قالت رابعة : إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكله ولا تكونن ممن يرى صور الزهد فرب متنعم لا يريد التنعم ، وإنما يقصد المصلحة وليس كل بدن يقوى على الخشونة خصوصا من قد لاقى الكل وأجهد الفكر انتهى .

فإن قلت : لم لم تذكر أكله صلى الله عليه وسلم الفالوذج فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : { أول ما سمعنا بالفالوذج أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم } الحديث . قلت هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وتعقبه السيوطي قائلا : أخرجه ابن ماجه بأنه قريب من الحسن ، ثم قال : إن وجدت له متابعا جزمت بحسنه فعلى كلام السيوطي الحديث ضعيف ، وعلى كلام ابن الجوزي موضوع ، وعلى كلا الحالين لا يحتج به والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث