الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب الرضا يثاب عليه ويزيد في الرزق

وأما الشكر فقد علمت أنه أعلى منزلة من الصبر والرضا ، وهو أن نرى المحنة منحة .

وإنما يتصور ذلك بمشاهدتك إلى الفاعل ، وأنك تقدم رضاه وما يرضاه على رضاك .

وأيضا فإن الله جل شأنه إذا ابتلى عبده لم يرد هلاكه ، وإنما يريد إما تمحيص ذنوبه ، وإما لينال منزلة لم يبلغها بعمله ، فمنعه عطاء ، وابتلاؤه رضا .

والمحنة منه منحة .

فسبحانه وتعالى .

قال تعالى { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } وفي كتاب الشكر للإمام أبي بكر بن أبي الدنيا عن منصور بن تميم بن سلمة قال : حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم الله على طعامه وحمده على آخره لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام .

وفيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا ، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا : من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا } .

وأخرج الطبراني بسند حسن عن سنجرة بمهملة ثم بمعجمة فموحدة وزن مسلمة مرفوعا { من أعطي فشكر ، وابتلي فصبر ، وظلم فاستغفر ، وظلم فغفر ، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } .

وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يشكر الله من لا يشكر الناس } إسناده صحيح .

قال في النهاية معناه أن الله - تعالى - لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ، ويكفر أمرهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر .

وقيل معناه من كان عادته وطبعه كفران نعمة الناس وترك شكره لهم كان من عادته كفر نعمة الله عز وجل وترك الشكر له .

وقيل : معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله - عز وجل ، وإن [ ص: 282 ] شكره ، كما تقول : لا يحبني من لا يحبك ، أي أن محبتك مقرونة بمحبتي ، فمن أحبني يحبك .

ومن لا يحبك فكأنه لم يحبني .

وهذه الأقوال مبنية على رفع اسم الله عز وجل ونصبه . انتهى .

وعند الإمام أحمد في لفظ آخر إن أشكر الناس لله - تعالى - أشكرهم للناس .

وأخرج الإمام أحمد وضعفه ابن الجوزي وقال ابن مفلح في الآداب الكبرى : هو حديث حسن عن النعمان رضي الله عنه مرفوعا { من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل } .

والتحدث بنعمة الله عز وجل شكر وتركها كفر .

والجماعة رحمة ، والفرقة عذاب " .

وقد قيل لسعيد بن جبير رحمه الله : المجوسي يوليني خيرا فأشكره ؟ قال نعم .

وأنشد بعضهم :

إنني أثني بما أوليتني لم يضع حسن بلاء من شكر


إنني والله لا أكفركم     أبدا ما صاح عصفور الشجر

وقال آخر :

فلو كان يستغني عن الشكر ما جد     لعزة ملك أو علو مكان


لما ندب الله العباد لشكره     فقال اشكروني أيها الثقلان

ولما كان الشكر يستدعي المزيد من النعم والبر وعد الناظم الشاكر والراضي بالمثوبة وازدياد الرزق ورغم الأعداء والحساد ، فيحتمل أن ذلك يحصل لكل واحد من الراضي والشاكر ، وهو الأقرب ، ويحتمل أنه على طريق اللف والنشر المشوش أي أن الراضي بقسمة الله تعالى يثاب ثواب الراضين .

والشاكر يزداد رزقا وإرغاما للحاسدين .

وهذا أنسب من جهة المعنى .

وهو منتزع من قوله تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم } .

ومن كلام بعضهم : الشكر قيد للنعم الموجودة ، وصيد للنعم المفقودة .

ومن كلام آخر : إن حقا على من لعب بنعم الله - تعالى - أن يسلبه إياها .

وقال آخر : كفران النعم بوار .

وقال آخر : استدع شاردها بالشكر ، واستدم راهنها بلزوم حسن الجوار .

[ ص: 283 ] ومن كلامهم : لا زوال للنعمة إذا شكرت ، ولا بقاء لها إذا كفرت .

حصن نعمتك من الزوال ، بحسن الشكر والنوال .

وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي في تبصرته : عباد الله قد توفرت النعم عليكم فاشكروا ، وقد أعطيتم ما لم تسألوا فاذكروا .

واعرفوا المنعم واعلموا أن النعم منه ، وتعبدوا بشكره ، وقصوا أجنحة النعم بمقراض الشكر .

فقل أن تنفر فتعود .

واحذروا لباس البطر في النعم ، واطلبوا بالشكر المزيد .

وهذا باب واسع ، وفيما ذكرنا كفاية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث