الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في رد قول من قال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد والابتلاء

وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور : ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء ، ولا فيه أفضل من الرضا به . فأما الصبر فهو فرض ، وأما الرضا فهو فضل ، وإنما صعب الصبر ; لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس ، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن ، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في جريانه .

فمن ذلك أنك إذا رأيت مغمورا بالدنيا ، قد سالت له أوديتها حتى لا يدري ما صنع بالمال ، فهو يصوغه أواني يستعملها ، ومعلوم أن البلور والعقيق والشبه قد يكون أحسن منها صورة ، غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت عنده وجود النهي كعدمه ، ويلبس الحرير ويظلم الناس والدنيا منصبة عليه ، ثم يرى خلقا من أهل الدين وطلاب العلم مغمورين بالفقر والبلاء ، مقهورين تحت ولاية ذلك الظالم ، فحينئذ يجد الشيطان طريقا للوسواس ; ويبتدئ بالقدح في حكمة القدر .

فيحتاج المؤمن إلى صبر على ما يلقى من الضرر في الدنيا . وعلى جدال إبليس في ذلك ، وكذلك في تسليط الكفار على المسلمين . والفساق على أهل الدين . وأبلغ من هذا إيلام الحيوان وتعذيب الأطفال . ففي مثل هذه المواطن يتمحض الإيمان .

ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل . أما النقل فالقرآن والسنة . أما القرآن فمنقسم إلى قسمين : أحدهما : بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي . فمن ذلك قوله تعالى { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } . { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة } .

{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها } . وفي القرآن من هذا كثير .

والقسم الثاني ابتلاء المؤمن بما يلقى ، كقوله تعالى { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } . { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا } . { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } . وفي القرآن من هذا كثير .

[ ص: 565 ] وأما السنة فمنقسمة إلى قول وحال . أما الحال فإنه كان صلى الله عليه وسلم يتقلب على رمال وحصير تؤثر في جنبيه ، فبكى عمر رضي الله عنه وقال { كسرى وقيصر في الحرير والديباج . فقال له صلى الله عليه وسلم أفي شك أنت ، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا } .

وأما القول فكقوله عليه الصلاة والسلام { لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء } " .

وأما العقل فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود . منها أن يقول : قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة بحكمة القدر . فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللا . ومنها أن يقول : ما قد استهولته أيها ; الناظر من بسط يد العاصي فإنه قبض في المعنى . وما قد أثر عندك من قبض يد الطائع فإنه بسط في المعنى .

لأن ذلك البسط يوجب عقابا طويلا . وهذا القبض يؤثر انبساطا في الأجر جزيلا . فزمان الرجلين ينقضي عن قريب . والمراحل تطوى والركبان في الحديث .

ومنها أن يقول : قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير . وأن زمن التكليف كبياض نهار ، ولا ينبغي للمستعمل في الطين أن يلبس نظيف الثياب . بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل فإذا فرغ تنظف ولبس أجود ثيابه . فمن ترفه وقت العمل ندم وقت تفريق الأجرة . وعوقب على التواني فيما كلف .

فهذه النبذ تقوي أزر الصبر . قال وأزيدها بسطا فأقول : أترى إذا أريد اتخاذ شهداء فكيف لا يخلق أقواما يبسط أيديهم لقتل المؤمنين .

أفيجوز أن يقتل لعمر إلا مثل أبي لؤلؤة . ولعلي إلا مثل ابن ملجم .

أفيصلح أن يقتل ليحيى بن زكريا الأحبار . ولو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا لرأت المسبب لا الأسباب ، والمقدر لا الأقدار ، فصبرت على بلائه إيثارا لما يريد . ومن هنا ينشأ الرضا . كما قيل لبعض أهل البلاء : ادع الله بالعافية . فقال أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل .

إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسني



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث