الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الأولى وقف أحد الشركاء نصيبه من المشاع

(187) 12 - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نلتقي عيره لقرى، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة ».

وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم التمر مشاعا بينهم، وكذا الوقف بجامع التبرع.

ويناقش: بأن هذا الدليل لا يصلح للاستدلال به على مذهب أبي حنيفة؛ [ ص: 631 ] لأن العبرة بالشيوع المانع من الصحة هبة عندهم: الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، فلو وهبه مشاعا، وسلمه مقسوما صحت الهبة، وقد سلمه أبو عبيدة هنا مقسوما.

(188) 13 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه - أبي قتادة رضي الله عنه - قال: كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نازل أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير محرم...، فعقرته - أي: الحمار - ، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا عليه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك، فقال: « هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها وهو محرم ».

وجه الاستدلال: أن أبا قتادة صاده ووهبه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هبة مشاعة وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك.

ويناقش بما نوقش به حديث البهزي من أنه أباحه لهم، ولم يهبه إياهم.

ويجاب عن ذلك بأنه لو أراد إباحته لهم لتركه في مكانه، ثم أخبرهم بأنه أباحه لهم، لكن لما أتى به لهم علمنا أنه قصد هبته لهم.

14 - ما علقه البخاري جازما به حيث قال: « وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر رضي الله عنه سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله ». [ ص: 632 ]

وقال ابن حجر : وصله ابن سعد بمعناه.

(189) 15 - ما رواه البيهقي قال : قال أبو يحيى الساجي: « وروي أن الحسن والحسين وقف أحدهما أشقاصا من دوره، فأجاز ذلك العلماء ».

(190) 16 - « وتصدق ابن عمر بالسهم بالغابة الذي وهبت له حفصة ».

17 - أن القصد تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع كحصول في المفرز.

18 - أن المشاع عرصة يجوز بيعها، فجاز وقفها قياسا على المفرزة.

ونوقش بأن المفرزة يمكن فيها القبض، بخلاف الشائعة، فلا يمكن فيها القبض لشيوعها.

وأجيب بأن القبض ليس شرطا لصحة الوقف، كما سبق.

19 - وقف المشاع يحصل به تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة بلا ضرر في ذلك.

20 - أنه كما يصح بيع الشريك نصيبه المشاع يجوز وقفه. [ ص: 633 ]

قال الإمام أحمد: « أنا عندي جائز أن يوقف مشاعا غير مقسوم، سهم من كذا وكذا سهم مثل البيع ».

وقال أيضا عن المشاع: « كيف يجيزون بيعه ولا يجيزون إذا وقفه؟! قول متناقض، إذا كان يبيعه فإنما باع ما يملكه، وكذا يوقف ما يملك ».

وقال في وقف المشاع: « هم يقولون: البيع جائز، والصدقة والوقف والهبة أيضا مثله ».

أدلة القول الثاني: (عدم صحة وقف ما لا يقبل القسمة) :

استدل على أنه لا يصح وقف ما لا يقبل القسمة :

1 - أن الشريك لا يقدر على البيع، وإن فسد فيها شيء لم يجد من يصلحه معه.

ويناقش بأنه لا يسلم أن الشريك لا يقدر على البيع، بل هو قادر عليه، ولا يعدم من يشتري منه، والإجماع على أن للشريك بيع نصيبه من المشاع.

أما القول بأنه لا يجد من يصلح معه ما يفسد فضعيف لقيام ناظر الوقف بهذا العمل، فهي أول واجباته؛ ولذا فهو موكل بذلك.

2 - أن القبض شرط لجواز الوقف، والشيوع يخل بالقبض، والتسليم؛ [ ص: 634 ] لأن تمام القبض فيما يحتمل القسمة بالقسمة، وقياسا على الصدقة المنفذة ، فإنها لا تتم في مشاع يحتمل القسمة.

ونوقش من وجوه:

الأول: أنه لا يسلم أن القبض شرط لصحة الوقف، كما حررته في مبحث قبض الوقف.

الثاني: أنه لو سلم اشتراط القبض، فإنه لا يسلم أنه لا يتم إلا بالقسمة، بل يتم بغير القسمة كما في الهبة؛ إذ يقوم الناظر مقام الموقوف عليه في القبض.

الثالث: أن الأصل المقيس عليه وهو الصدقة المنفذة ممنوع؛ إذ يصح التصدق بالمشاع.

3 - أن كل جزء من المشترك محكوم عليه بالمملوكية لكليهما، فيلزم مع وقف أحد الشريكين أن يحكم عليه بحكمين مختلفين متضادين؛ مثلا: صحة البيع بالنسبة لكونه مملوكا، وعدم صحته بالنسبة لكونه موقوفا. فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها.

ونوقش بأن التصرف في المشاع تصرف فيما ثبت في الذمة ، وهو جائز، وأيضا وقف المشاع نظير عتق المشاع، وقد صح ذلك في السنة.

4 - أن القسمة بيع، وبيع الوقف لا يجوز.

ونوقش أنه لا يسلم فالقسمة إفراز. [ ص: 635 ]

أدلة القول الثالث: (عدم صحة الوقف إن كان الشيوع وقت الوقف والقبض...)

استدل لهذا الرأي بما يلي:

1 - بأن القبض شرط لجواز الوقف، والشيوع يخل بالقبض والتسليم ؛ لأن تمام القبض فيما يحتمل القسمة بالقسمة، قياسا على الصدقة المنفذة.

ويناقش هذا الدليل من وجوه:

أحدها: أنه استدلال في محل النزاع، فلا يسلم أن القبض شرط لجواز الوقف، بل يصح الوقف ولو لم يخرج من يد الواقف بدليل ما ورد عن عمر، وعلي، وفاطمة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم من أنهم ولوا صدقاتهم حتى ماتوا، وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه أن يسبل ثمرة أرضه ويحبس أصلها دليل على أنه رأى ما صنع جائزا، ولم يأمر عمر رضي الله عنه أن يخرجه من ملكه إلى غيره، ولما صارت الصدقات مبتدأة في الإسلام لا مثال لها قبله علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر، ولم يكن فيما أمره به إذا حبس أصلها وسبل ثمرتها أن يخرجها إلى أحد يجوزها دونه، ويكفي هذا دلالة على اشتراط عدم الحوز والقبض.

الثاني: لو سلم باشتراط القبض، فإنه لا يسلم أنه لا يتم إلا بالقسمة، بل يتم بغير القسمة، كما في الهبة؛ إذ يقوم ولي الوقف مقام الموهوب له في القبض. [ ص: 636 ]

الثالث: أن الأصل المقيس عليه - وهو الصدقة المنفذة - ممنوع؛ إذ يصح التصدق بالمشاع على القول الراجح.

2 - واستدل لما ذهب إليه من صحة وقف ما لا يقبل القسمة بالقياس على الهبة والصدقة المنفذة.

3 - أن القسمة بيع ولا يجوز بيع الوقف.

وأجيب بعدم التسليم بأن القسمة بيع، بل هي إفراز لا بيع، وعلى التسليم بأنها بيع، فبيع المعروض للقسم كالمأذون في بيعه من محبسه، فضلا عن أن الممنوع هو بيع الوقف لغير بدل يكون أنفع للوقف.

الترجيح:

الراجح - والله أعلم - صحة وقف المشاع؛ لقوة دليله وضعف أدلة المخالفين بمناقشتها، ولأن الوقف قربة يؤمر بها، ويحث عليها.

ولما يحقق من توسيع للصور الوقفية، وفتح لباب كبير وأنواع متعددة من صور المشاركة في إنشاء الأوقاف، بل إن بقاء هذه الأجزاء مشاعا قد يكون سببا لحفظها من الاندراس والتلف مع مرور الزمن؛ لعناية باقي الشركاء بنصيبهم وسعيهم لتحقيق مصلحة العين المشاعة؛ مما يعود بالنفع على الجميع، وذلك متفق تماما مع مصلحة الوقف، كما يحقق المقصود منه من الاستمرار والدوام.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث