الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وإلى كلام ابن الجوزي أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله :

مطلب : في الإنكار على الصبيان لتأديبهم : وأنكر على الصبيان كل محرم لتأديبهم والعلم في الشرع لردي ( وأنكر ) أيها المكلف المتبع الأوامر الشرعية ، العالم بأحكامها الفرعية .

( على الصبيان ) جمع صبي هو الصغير أعني الذي لم يبلغ سن التكليف ، هذا مراده . قال في القاموس : الصبي من لم يفطم . وقال في كتاب كفاية المتحفظ : الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين فإذا ولد يسمى صبيا ، فإذا فطم يسمى غلاما إلى سبع سنين ، ثم يصير يافعا إلى عشر ، ثم حزورا إلى خمسة عشر ، ثم يصير قمدا إلى آخر كلامه . فظاهر كلام أهل اللغة أن الصبي من [ ص: 236 ] لم يفطم بعد ، ولكن ليس مرادا في كلام الناظم بل المراد من لم يبلغ حد سن التكليف .

وفي حديث { أنه صلى الله عليه وسلم رأى حسنا يلعب مع صبوة في السكة } ، والصبوة والصبية جمع صبي . ومعلوم أن الذين يلعبون أكبر من الذين يرضعون ( كل ) فعل وقول ( محرم ) في نفسه وإن لم يكن الفاعل آثما ، فإن الصبي الذي ليس بمكلف لا إثم عليه ، وإنما ينكر عليهم ذلك ( ل ) أجل ( تأديبهم ) وزجرهم عن ملابسة ما حرمه الله تعالى .

ولا فرق بين كون الصبيان ذكورا أو إناثا ( و ) لأجل ( العلم في الشرع ) بفتح الشين المعجمة . والشريعة الدين وهو ما شرعه الله لعباده ، ومثله الشرعة بالكسر ، سمي بذلك لظهوره ووضوحه ، وطريق شارع : أي مسلوك ، وقد شرع الله الدين أوضحه وبينه ، والشريعة مورد الماء .

فالمراد بالشرع هنا المشروع من الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فيستحب الإنكار عليهم لذلك يعني لتأديبهم وللعلم أن هذا في الشرع ( با ) لفعل ( الردي ) أي القبيح الذي لا ينبغي أن يقر عليه فاعله ولو غير مكلف ، فإذا علموا ذلك وقر قبحه في صدورهم فلم يفعلوه .

وقد صرح الحجاوي رحمه الله تعالى بأن إنكار ذلك على أولئك مستحب ولفظه : ويستحب الإنكار على الأولاد الذين دون البلوغ ، سواء كانوا ذكورا أو إناثا تأديبا لهم وتعليما . قال الأصحاب : لا ينكر على غير مكلف إلا تأديبا له وزجرا . انتهى .

وظاهر كلام الإمام ابن الجوزي أن الإنكار واجب كما قدمنا ، فإن قوله فعليه أن يريق خمره ويمنعه وكذلك عليه أن يمنعه من الزنا ظاهر في الوجوب كما لا يخفى . وهذا - والله أعلم - أظهر حيث توفرت الشروط المتقدمة والله أعلم . قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } قال سيدنا الإمام علي رضوان الله عليه أدبوهم وعلموهم .

قال ابن سيرين : كانوا يقولون أكرم ولدك وأحسن أدبه . وقال الحسن : التعلم في الصغر كالنقش في الحجر . [ ص: 237 ] وقال لقمان : ضرب الوالد للولد كمطر السماء للزرع . وكان يقال : الأدب من الآباء ، والصلاح من الله تعالى . وكان يقال : من أدب ابنه صغيرا قرت عينه به كبيرا .

( تنبيه ) : قد صرح علماؤنا في الفقه بأن على ولي الصبي أن يأمره بالصلاة لسبع ، ويجب عليه ضربه على تركها لعشر ، فهذا صريح في الوجوب .

ويجب عليه أيضا أن يعلمه ما يجب عليه علمه ، أو يقيم له من يعلمه ذلك . وفي كلام الشافعي وذكره أصحابنا أيضا : يجب على الأب وسائر الأولياء تعليم الابن ما يحتاجه لدينه ، لحديث ابن عمر { إن لولدك عليك حقا } رواه مسلم .

وقال القاضي من أئمتنا : ومما يجب إنكاره ترك التعليم والتعلم لما يجب تعليمه وتعلمه ، نحو ما تعلق بمعرفة الله وبمعرفة الصلاة وجملة الشرائع وما يتعلق بالفرائض ويلزم النساء الخروج لتعلم ذلك . وأوجب على الإمام أن يتعاهد المعلم والمتعلم لذلك ويرزقهما من بيت المال ، لأن في ذلك قواما للدين فهو أولى من الجهاد ، لأنه ربما نشأ الولد على مذهب فاسد فيتعذر زواله من قلبه . انتهى .

وقد نص فقهاؤنا على أنه يحرم على الولي تمكين الصغير من لبس ثوب حرير ونحوه ، وكذا من فعل كل محرم . فعلى كل حال متى توفرت الشروط وجب الإنكار على الصغير والمجنون لا أن ذلك يستحب كما قال الحجاوي ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث