الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم ذكر الناظم رحمه الله تعالى الاستئذان وأحكامه فقال : [ ص: 307 ] مطلب في استئذان مريد الدخول على غيره وسنة استئذانه لدخوله على غيره من أقربين وبعد ( وسنة ) بالتنوين وتقدم أنها لغة : الطريقة والعادة والسيرة ، حميدة كانت أو ذميمة ، والجمع سنن ، مثل غرفة وغرف . وفي الاصطلاح ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير كما قدمنا .

والمراد هنا ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه ( استئذانه ) أي استئذان مريد الدخول ، وهو بالنقل للوزن أي طلب الإذن ( لدخوله على غيره ) فإن أذن له دخل ، وإلا رجع ، وسواء كان أرباب المنزل المطلوب الدخول عليهم ( من أقربين ) للمستأذن يعني أقاربا له ، ولو محارم أ ( و ) كانوا من ( بعد ) بضم الموحدة وفتح العين المهملة مشددة جمع بعيد ضد القريب ، والمراد بعيد من القرابة يعني أجنبيا ، وذلك لقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } .

قال الإمام الحافظ ابن الجوزي : لا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان لهذه الآية ، يعني يجب الاستئذان إذا أراد الدخول إلى بيت غيره .

ومعنى تستأنسوا : تستأذنوا ، وقطع بوجوب الاستئذان ابن موسى والسامري وابن تميم على البعيد والقريب .

قال في الآداب الكبرى : ولا وجه لحكاية الخلاف فيجب في الجملة على غير زوجة وأمة .

وقد روى سعيد حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول عن أبي قلابة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : إذا دخل أحدكم على والدته فليستأذن . ثم روي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم نحو ذلك .

وعن عطاء بن يسار { أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أستأذن على أمي ؟ قال نعم } . فأمر أن يستأذن عليها وهو مرسل جيد . قاله ابن مفلح وهو في الموطأ .

وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما وقيل له : كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ، ولا يعمل بها أحد { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } إلى { عليم حكيم } قال إن الله حكيم رحيم بالمؤمنين يحب الستر ، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال ، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل [ ص: 308 ] والرجل على أهله فأمرهم الله - تعالى - بالاستئذان في تلك العورات ، فجاءهم الله بالستور والخير ، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد .

الحجال جمع حجلة بالتحريك بيت كالقبة يستر الثياب ، وله أزرار كبار .

قال الحافظ ابن الجوزي : أكثر المفسرين على أن هذه الآية محكمة ، وأنه أصح من قول من قال هي منسوخة بقوله { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا } ; لأن البالغ يستأذن في كل وقت ، والطفل والمملوك يستأذن في العورات الثلاث .

وقال الإمام العلامة الشيخ مرعي في كتابه قلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ من القرآن : قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا قالوا قال ابن عباس وابن جبير تستأنسوا خطأ ، وليس كذلك لقول أبي أيوب الأنصاري { قلنا : يا رسول الله ما الاستئناس ؟ قال يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة أو يتنحنح } ، فمنهم من قال : هذه الآية والتي بعدها محكمتان ، ومنهم من جعل الحكم عاما في سائر البيوت ثم نسخت منها البيوت التي لا ساكن لها بقوله تعالى { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم } أي منفعة لكم الآية ، والمراد بها الخانات ، وما بني للسابلة ، أو جميع البيوت التي ليس لها ساكن ; لأن الاستئذان إنما ورد لئلا يطلع على العورات ، فإذا أمن ذلك جاز الدخول بغير إذن .

وقال في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم } الآية منسوخة بقوله ( { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا } ثم ذكر كلام ابن عباس المتقدم ، ثم قال : بعضهم رأى أنها محكمة .

قالوا : سئل الشعبي عن هذه الآية أمنسوخة هي ؟ قال : لا والله ، فقيل له : إن الناس لا يعملون بها فقال : المستعان بالله .

وقال ابن جبير : إن ناسا يقولون : نسخت هذه الآية لا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها الناس انتهى .

وأما الإمام الحافظ ابن الجوزي فلم يذكر الآية في المنسوخ ألبتة في كتابه المصفى بإلف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ . نعم قال في قوله تعالى { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } الآية قال بعض ناقلي التفسير نسخ من هذا النهي العام حكم البيوت التي ليس لها [ ص: 309 ] أهل يستأذنون بقوله { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } . قال : وهذا تخصيص لا نسخ ، والله أعلم .

( تنبيه ) : ظاهر النظم أن الاستئذان سنة يثاب على فعله ، ولا يعاقب على تركه كما هو شأن كل مسنون . والمعتمد أنه واجب يثاب على فعله ويعاقب على تركه إلا أن يشاء الله كما هو شأن الواجبات .

جزم به في الإقناع والغاية وغيرهما . والذي ذكره الناظم قدمه في الرعاية وعبارته : ويسن أن يستأذن في الدخول على غيره ثلاثا فقط .

قال الحجازي : قد لا يكون في كلام صاحب الرعاية حجة أعني في كون الاستئذان نفسه سنة ، ويحتمل قوله يسن أن يستأذن في الدخول على غيره ثلاثا فقط أن المراد صفة الاستئذان ، ألا تراه قال بعده فقط أي لا يزيد المستأذن على الثلاث إذا لم يجب لئلا يكون مخالفا للسنة . ويحتمل كلام الناظم أيضا هذا المعنى .

ألا ترى أنه أعقبه بقوله :     ثلاثا ومكروه دخول لهاجم
ولا سيما من سفرة وتبعد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث