الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في كراهة الكي إلا لحاجة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في كراهة الكي إلا لحاجة :

وقبل الأذى لا بعده الكي فاكرهن وعنه على الإطلاق غير مقيد ( وقبل ) حصول ( الأذى ) المحوج إلى الكي بالنار ، وكذا قبل حصول الداء الموجب لقطع بعض العروق مكروه الكي وقطع العروق ، ( لا ) يكره ذلك ( بعده ) أي بعد وجود الداء الموجب ( للكي ) ونحوه ضرورة ، وأما قبل حصول الداء الكي ( فاكرهن ) أي فاكرهن الكي بالنار لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه في عدة أخبار ، وقال { : ما أحب أن أكتوي } كما في صحيح البخاري وغيره .

وقوله ( فاكرهن ) فعل أمر مؤكد بنون التوكيد الخفيفة ، والكي مفعول مقدم ، ( وعنه ) أي عن الإمام أحمد رضي الله عنه كراهة الكي ( على ) سبيل ( الإطلاق غير مقيد ) بحصول الأذى ، فعلى هذه الرواية يكره الكي مطلقا قبل حصول الأذى وبعده لما في الحديث عن النبي : صلى الله عليه وسلم { من اكتوى أو استرقى فقد بريء من التوكل } رواه الإمام أحمد وغيره .

وأخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه عن عمران رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا } .

قال في الآداب الكبرى قال في المستوعب في موضع يكره الكي وقطع العروق على وجه التداوي في إحدى الروايتين ، والأخرى لا يكره ، وفي الفروع وفي كراهة موت الفجأة روايتان ، والأخبار مختلفة ، وكذا الروايتان في حقنة لحاجة وقطع العروق وفصدها .

وكذا الخلاف [ ص: 26 ] في كي ورقية وتعويذة وتميمة ، وعنه يكره قبل الألم فقط ، والحاصل : أن في المذهب في المسألة أقوالا . ثالثها : انتفاء الكراهة بعد حصول الداء ، وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { : إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم ، أو شربة من عسل أو لذعة بنار وما أحب أن أكتوي } .

وروى ابن ماجه والترمذي وصححه عن خباب رضي الله عنه أنه قال : وقد اكتوى في بطنه سبع كيات : ما أعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقي من البلاء ما لقيت ، وكأنه قاله رضي الله عنه تسلية للمؤمن المصاب لا على وجه الشكاية .

قلت : وإذا علمت ثبوت النهي عن الكي وتحققت أنه نهي كراهة لظاهر الأخبار ، وفعل الصحابة الأخيار ، ظهر لك أن الكراهة تزول بنزول الضرر إذ القاعدة : زوالها بأدنى حاجة . فظهر أن المذهب عدم كراهة الكي للحاجة .

وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال { : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ، ثم كواه } . وعن جابر أيضا { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين } رواه ابن ماجه .

ولمسلم { رمي سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بمشقص ، ثم ورمت فحسمه الثانية } . قوله فحسمه أي كواه { وكوى صلى الله عليه وسلم سعد بن زرارة من الشوكة } رواه الترمذي فهذا يدل على الإباحة من فعله صلى الله عليه وسلم ويكره بلا حاجة للنهي والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث