الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في أن خير الأمور أوسطها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في أن خير الأمور أوسطها :

وخير خلال المرء جمعا توسط الأمور وحال بين أردى وأجود

و ( خير ) مبتدأ ( خلال ) جمع خلة بفتح الخاء المعجمة ، وهي الخصلة ، أي خير خصال ( المرء ) أي الإنسان من الذكور ، والإناث ( جمعا ) أي كلها ( توسط ) خبر المبتدأ و ( الأمور ) مجرور بالإضافة أي أفضل شؤون [ ص: 166 ] الإنسان مراعاة الوسط بين الخشونة والنعومة ، والرقيق الشفاف من الثياب ، والصفيق الخشن منها ، فخير الأمور أوسطها ( وحال بين ) حالين ( أردى وأجود ) فيكون بين طرفي الإفراط والتفريط .

قال الجوهري : الوسط محركة من كل شيء : أعدله . قال تعالى { جعلناكم أمة وسطا } أي عدلا . وذكره في القاموس أيضا ، وقال : ووسط الشيء محركة ، ما بين طرفيه كأوسطه ، فإذا سكنت كانت ظرفا ، أو هما فيما هو مصمت كالحلقة ، فإذا كانت أجزاؤه متباينة فبالإسكان فقط ، أو كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين وإلا فبالتحريك . انتهى .

ودليل هذا يعني اختيار حالة التوسط أكثر من أن تذكر ، والقرآن مملوء من ذلك في شؤون شتى ، مثل { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } . { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } { واقصد في مشيك واغضض من صوتك } ، والقصد ما بين الإسراف والتقتير .

وقد روى الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي يعفور قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يسأله رجل ما ألبس من الثياب ؟ قال : ما لا يزدريك فيه السفهاء ويعيبك به الحكماء . قال ما هو ؟ قال : بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهما .

وفي كتاب الغيبة لابن أبي الدنيا عن سيدة النساء فاطمة رضوان الله عليها ، والطبراني في الكبير ، والأوسط عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا { شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ، الذين يأكلون ألوان الطعام ، ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام } هذا لفظ حديث سيدتنا فاطمة .

ولفظ حديث أبي أمامة { سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ، ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ، ويتشدقون في الكلام ، فأولئك شرار أمتي } وهما ضعيفان كما أشار إليهما المنذري رحمه الله تعالى . .

وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن يزيد { أن رجلا من الصحابة يقال له عبيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كثير من [ ص: 167 ] الإرفاه } قال في فتح الباري : الإرفاه بكسر الهمزة وبفاء آخره هاء ، التنعم والراحة . ومنه الرفه بفتحتين . وقيد في الحديث بالكثرة إشارة إلى أن الوسط المعتدل منه لا يذم . وبذلك جمع بين الأخبار . انتهى .

وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ينبغي للعالم أن يتوسط في ملبسه ونفقته وليكن إلى التقليل أميل ، فإن الناس ينظرون إليه . وينبغي الاحتراز مما يقتدى فيه به ، فإنه متى ترخص في الدخول على السلاطين وجمع الحطام فاقتدى به غيره كان الإثم عليه ، وربما سلم هو في دخوله ولم يفقهوا كيفية سلامته . ومقتضى كلام ابن البنا أنه لا إثم عليه ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث