الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب يكره للغني لبس رديء الثياب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : يكره للغني لبس رديء الثياب .

( ويكره ) تنزيها لك أيها المتقشف ( مع طول ) يحتمل أن يكون [ ص: 261 ] بضم الطاء المهملة أي كثرة ( الغنى ) بكسر الغين المعجمة ضد الفقر ، وإذا فتحت الغين مدد به . والغناء كالكساء من الصوت ما طرب به وكسماء رمل كما في القاموس . ويحتمل أن يكون بفتح الطاء وسكون الواو ، وهو الفضل والقدرة والغنى والسعة ، كما في قوله تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا } ويكون معنى كلام الناظم : وكره مع سعة الغنى الحاصل لك من منة الغني المطلق ( لبسك ) لملبوس ( الرديء ) لعدم إظهارك لأثر نعمه عليك وما بسطه لك من الطول ووسعه لديك .

فإن التواضع ليس هو في اللباس .

كما قد يتوهمه من ليس لديه تحقيق من الناس ، بل التواضع والانكسار ، والذل والافتقار محله القلب بلا إنكار .

ولله در القائل :

أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها زين الرجال بها تهاب وتكرم


ودع التواضع في اللباس تحريا     فالله يعلم ما تكن وتكتم


فدني ثوبك لا يزيدك زلفة     عند الإله وأنت عبد مجرم


وبهاء ثوبك لا يضرك بعدما     تخشى الإله وتتقي ما يحرم

قال الإمام المحقق في شرح منازل السائرين : سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه يقول : أمر الله - تعالى - بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة ، وهو أخذ الزينة فقال { خذوا زينتكم عند كل مسجد } فعلق الأمر باسم الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس زين ثيابه وأجملها في الصلاة .

قال : وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال ، وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول : ربي أحق من تجملت له في صلاتي .

ومعلوم أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .

لا سيما إذا وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا . انتهى .

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة رواه الإمام أحمد والبخاري تعليقا مجزوما به . ورواه أيضا النسائي وابن ماجه والحاكم وصححه . زاد الإمام أحمد " فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده " . [ ص: 262 ] وروى الترمذي هذه الزيادة وحسنها ولفظه " فإن الله يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " .

وأخرج الإمام أحمد عن أبي رجاء العطاردي قال { : خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ، ولا بعده ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أنعم الله عليه نعمة فليظهرها ، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه } وفي لفظ " على عبده " . قال في الفروع : إسناد جيد . .

وقد روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه { أن مالك ذي يزن أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة أخذها بثلاثة وثلاثين ناقة فقبلها } .

وروى أبو الشيخ عن عبد الله بن الحارث قال : { اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة بسبع وعشرين ناقة فلبسها } . ورواه ابن سعد عن علي بن زيد عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بلفظ { بسبع وعشرين أوقية } . وفي مراسيل ابن سيرين { أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى حلة أو قال ثوبا بتسع وعشرين ناقة } .

وروى الزبير بن بكار عن يزيد بن عياض رحمه الله قال { أهدى حكيم بن حزام رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش حلة ذي يزن اشتراها بثلاثمائة دينار ، فردها عليه ، وقال : إني لا أقبل هدية مشرك ، فباعها حكيم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اشتراها له فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم } .

وتقدم بعض ذلك .

وأن معاذا رضي الله عنه اشترى حلة كان يلبسها إذا قام يصلي من الليل .

وكان حال المصطفى صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه الكرام .

وسلف الأمة وأئمة الإسلام ، يكونون بحسب الحال ، لا يمتنعون من موجود " ولا يتكلفون حوز مفقود .

فنسأل الله - تعالى - أن يهدينا طريقهم ، ويلهمنا توفيقهم ، ويرزقنا تحقيقهم إنه ولي الإحسان .

وهو المستعان وعليه التكلان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث