الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب الذل في نيل النفوس ما تشتهيه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : الذل في نيل النفوس ما تشتهيه .

( وفي نيلها ) أي النفوس ( ما ) أي الذي ( تشتهي ) أي تشتهيه وتطلبه وتهواه من المحرمات ونحوها ( ذل سرمد ) أي طويل مستمر . قال في القاموس : السرمد الدائم والطويل من الليالي ، وذلك لأنه يدعو لما فيه غضب الله ورسوله ورضا الشيطان وجنوده ، فقد أغلق على نفسه باتباع هواه أبواب التوفيق وفتح عليه أبواب الخذلان .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله ورضي عنه : من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه مواد التوفيق .

وقال بعض العلماء : الكفر في أربعة أشياء : في الغضب ، والشهوة ، والرغبة ، والرهبة ، ثم قال : رأيت منهن اثنتين رجلا غضب فقتل أمه ، ورجلا عشق فتنصر .

وكان بعض السلف يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال :

أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بهوى اللذات والدين

؟ فقالت له المرأة : دع أحدهما تنل الآخر .

وفي روضة المحبين للإمام ابن القيم : لكل عبد بداية ونهاية ، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع [ ص: 459 ] بحسب ما اتبع من هواه ، بل يصير له ذلك في نهايته عذابا يعذب به في قلبه كما قيل :

مآرب كانت في الشباب لأهلها     عذابا فصارت في المشيب عذابا

فلو تأملت حال كل ذي حال شينة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله . ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس .

وقال أبو علي الدقاق : من ملك شهوته في حال شبيبته أعزه الله في حال كهوليته . وقيل للمهلب بن أبي صفرة : بم نلت ما نلت ؟ قال : بطاعة الحزم وعصيان الهوى . فهذا في بداية الدنيا ونهايتها ، وأما الآخرة فقد جعل الله سبحانه وتعالى الجنة نهاية من نهى نفسه عن هواه ، والنار نهاية من اتبع هواه .

وقال عبد الرحمن بن مهدي : رأيت سفيان الثوري في المنام فقلت ما فعل الله بك ؟ قال لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله تعالى فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة ، فبينما أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حسا ولا حركة إذ سمعت قائلا يقول سفيان بن سعيد ، فقال : تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوما ؟ قلت : إي والله ، فأخذني النثار من كل جانب .

وعلى كل حال مخالفة الهوى توجب شرف الدين وشرف الآخرة وعز الظاهر وعز الباطن ، ومتابعته تضع العبد في الدنيا والآخرة ، وتذله في الباطن والظاهر .

وذكر شيخ مشايخنا بسنده عن محمد بن حماد عن الزبير :

إذا المرء أعطى نفسه كلما اشتهت     ولم ينهها تاقت إلى كل باطل
وساقت إليه الإثم والعار للذي     دعته إليه من حلاوة عاجل

ولأبي إسحاق الشيرازي في مثل ذلك : [ ص: 460 ]

إذا حدثتك النفس يوما بشهوة     وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما     هواها عدو والخلاف صديق

{ وإذا جمع الله الناس في صعيد واحد نادى مناد ليعلمن أهل الجمع من أهل الكرم اليوم ألا ليقم المتقون ، فيقومون إلى محل الكرامة وأما المتبعون لهواهم ناكسو رءوسهم في الموقف في حر الهوى وعرقه وألمه وحرقه ، وأولئك في ظل عرش الرحمن لا حر ولا ذل ولا هوان } . فإذا علمت هذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث