الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في بيان العقل .

والعقل هو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ، أو العلم بخير الخيرين ، أو شر الشرين ، أو مطلق الأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن ، والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ . قال في القاموس وقال في شرح مختصر التحرير : العقل ما يحصل به الميز ، وهو غريزة نصا ليس بمكتسب ، بل خلقه الله تعالى يفارق به الإنسان البهيمة ، ويستعد به لقبول العلم وتدبير الصنائع الفكرية ، فكأنه نور يقذف في القلب كالعلم الضروري .

[ ص: 469 ] وقال الحسن بن علي البربهاري من أئمة أصحابنا : ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب ، وإنما هو فضل من الله تعالى . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هذا يقتضي أنه القوة المدركة كما دل عليه كلام الإمام أحمد ، وهو بعض العلوم الضرورية عند أصحابنا والأكثر .

وممن قال بذلك من غير أصحابنا أبو بكر بن الباقلاني وابن الصياغ وسليم الرازي فخرجت العلوم الكسبية ; لأن العاقل يتصف بكونه عاقلا مع انتقاء العلوم النظرية ، وإنما قالوا بعض العلوم الضرورية ; لأنه لو كان جميعها لوجب أن يكون الفاقد للعلم بالمدركات لعدم الإدراك المعلق عليها غير عاقل ، ومحل العقل القلب عند أصحابنا والشافعية والأطباء ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } أي عقل ، فعبر بالقلب عن العقل لأنه محله ، وبقوله تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } وبقوله { لهم قلوب يعقلون بها } فجعل العقل في القلب .

وقد تقدم أنه بعض العلوم الضرورية والعلوم الضرورية لا تكون إلا في القلب . نعم له اتصال بالدماغ كما قاله التميمي وغيره من أصحابنا وغيرهم . وقالت الحنفية والطوفي منا : هو في الدماغ . وقيل إن قلنا جوهر وإلا فهو في القلب . والمعتمد عندنا أنه يختلف كالمدرك به ; لأنا نشاهد قطعا آثار العقول في الآراء والحكم والحيل وغيرها متفاوتة ، وذلك يدل على تفاوت العقول في نفسها .

وأجمع العقلاء على صحة قول القائل : فلان أعقل من فلان أو أكمل عقلا ، وذلك يدل على اختلاف ما يدرك به ، ولحديث أبي سعيد { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء أليس شهادة إحداكن مثل شهادة نصف الرجل ؟ قلن : بلى ، قال : فذلك من نقصان عقلها } .

وقال ابن عقيل والأشاعرة والمعتزلة : العقل لا يختلف ; لأنه حجة عامة يرجع إليها الناس عند اختلافهم ، ولو تفاوتت العقول لما كان كذلك ، انتهى والحق الأول ، والله أعلم .

فإن قلت : قد ذكرت أن العقل غير مكتسب ، فما وجه قول الناظم أنه يستفاد من مطالعة كتب العلم ؟ [ ص: 470 ] قلت : العقل عقلان ، غريزي وهذا هو الذي لا يزيد ولا يختلف ، والثاني تجريبي يختلف ويزيد وينقص بحسب كثرة الممارسة والتجربة ، وهذا ظاهر والله أعلم . وقد نص عليه الطوفي منا وذكره في شرح التحرير ومختصره ، وقاله الماوردي من الشافعية وغيرهم والله أعلم .

وقول الناظم مؤيد . النسخ التي رأيتها بالباء الموحدة أي الدائم المستمر ، والصواب أنه بالياء المثناة تحت من أيدته تأييدا قويته تقوية .

قال الإمام المحقق ابن القيم روح الله روحه في كتابه الكلم الطيب والعمل الصالح سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، يعني الكتب . قال وقال لي مرة : ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني ، أنا حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة .

وقال لي مرة : المحبوس من حبس قلبه عن ربه ، والمأسور من أسره هواه . قال وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاق الرفاهية والنعيم بل ضدها مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا ، وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا تلوح نضرة النعيم على وجهه قال : وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله ، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة ، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاه من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث