الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب الناس في العزلة والاختلاط

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : الناس في العزلة والاختلاط على ضربين :

قال الإمام الحافظ ابن الجوزي : وفصل الخطاب في العزلة والاختلاط أن الناس على ضربين : عالم وعابد ، فالعالم لا ينبغي له أن ينقطع عن نفع الناس ، فإنه خلف الأنبياء ، وليعلم أن هداية الخلق أفضل من كل عبادة .

[ ص: 476 ] وفي الصحيحين { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم } .

قال : فمتى جاء الشيطان فحسن للعالم الانقطاع عن الخلق جملة فذاك خديعة منه ، بل ينبغي للعالم أن يعتزل شر ما يؤذي ويبرز لمن يستفيد ، فظهوره أفضل من اختفائه . والعابد إن كان عابدا لا ينافس في هذا ، فإن من القوم من شغلته العبادة ، كما روي أن الحسن رأى رجلا متعبدا فأتاه فقال يا عبد الله ما منعك من مجالسة الناس ؟ فقال ما أشغلني عن الناس . قال فما منعك أن تأتي الحسن ؟ قال ما أشغلني عن الحسن . قال فما الذي أشغلك ؟ قال إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي به بالاستغفار للذنب والشكر لله على النعمة ، فقال له : أنت عندي أفقه من الحسن .

ومن القوم من غلبت عليه محبة الحي القيوم فلا يحصل له أنس ولا طيب عيش إلا بانفراده بربه ، فمثل هؤلاء عزلتهم أصلح لهم .

نعم لا ينبغي أن تشغلهم العزلة عن الجماعات ومجالسة العلماء ، فإن منعتهم كانت غير محمودة . وعلى كل حال العزلة حمية وسلم للسلامة ، ولكن لا بد من معرفة الأحكام ليعبد الله على علم . ولله در الحميدي حيث يقول :

لقاء الناس ليس يفيد شيئا سوى الهذيان من قيل وقال     فأقلل من لقاء الناس إلا
لأخذ العلم أو إصلاح حال

وقال الحافظ السيوطي :

إني عزمت وما عزمي بمنجزم     ما لم تساعده ألطاف من الباري
أن لا أصاحب إلا من خبرتهم     دهرا مديدا وأزمانا بأسفار
ولا أجالس إلا عالما فطنا     أو صالحا أو صديقا لا بإكثار
ولا أسائل شخصا حاجة أبدا     إلا استعارة أجزاء وأسفار
ولست أحدث فعلا غير مفترض     أو مستحب ولم يدخل بإنكار
ما لم أقم مستخير الله متكلا     وتابعا ما أتى فيها بآثار

فالعاقل إنما يخالط الأفاضل والأماثل من أهل التعبد والعلم والتسدد والحلم . فإذا كنت ولا بد مخالطا فعليك بمخالطة العالم الناصح الذي : [ ص: 477 ] يفيدك من علم وينهاك عن هوى     فصاحبه تهدى من هداه وترشد
( يفيدك من علم ) عنده ( وينهاك عن ) متابعة ( هوى ) وملابسته فإنه يهوي بصاحبه في النار . ثم أكد الأمر بمخالطة من هو بالصفة المذكورة بقوله ( فصاحبه ) ولازمه ( تهدى ) بكثرة ملازمتك له ( من هداه ) وتنتفع بتقواه ( وترشد ) بفتواه إلى الصراط المستقيم والطريقة الواضحة ، وتترك الغي والضلال وبنيات الطريق الفاضحة . فصحبة مثل هذا غنم ، والبعد عنه غرم ، فإنك تهتدي بهديه المقرب ، وتشدو بشدوه المطرب . وقد قال الأوزاعي : الصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب إذا لم تكن مثله شانته وقيل لابن السماك : أي الإخوان أحق بإبقاء المودة ؟ قال الوافر دينه ، الوافي عقله ، الذي لا يملك على القرب ، ولا ينساك على البعد ، إن دنوت منه داناك . وإن بعدت عنه راعاك ، وإن استعضدته عضدك ، وإن احتجت إليه رفدك ، وتكفي مودة فعله ، أكثر من مودة قوله .

وأنشدوا ، وهي مما ينسب لسيدنا علي رضي الله عنه :

إن أخاك الصدق من كان معك     ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك     شتت فيك شمله ليجمعك

وقيل لخالد بن صفوان : أي إخوانك أحب إليك ؟ قال : الذي يسد خلتي ، ويغفر زلتي ، ويقبل عثرتي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث