الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في كف اللسان عن الفحشاء

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في كف اللسان عن الفحشاء وأن يكون على الدوام رطبا بذكر الله : وكف عن العورى لسانك وليكن دواما بذكر الله يا صاحبي ندي ( وكف ) أي ادفع واصرف ( عن ) المقالة والكلمة ( العورى ) بالقصر لضرورة الوزن . قال في القاموس : العوراء الكلمة أو الفعلة القبيحة ، انتهى . ومنه حديث عائشة رضي الله عنها { يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من العوراء يقولها } . قال في النهاية أي الكلمة القبيحة الزائغة عن الرشد ( لسانك ) تقدم الكلام عليه بما فيه غنية ( وليكن ) اللام للأمر والفعل مجزوم بها واسم يكن يعود على اللسان و ( دواما ) منصوب بنزع الخافض أي وليكن لسانك على الدوام والاستمرار في كل أحيانك وشئونك إلا ما استثني ( بذكر الله ) تعالى متعلق " بندي " ( يا صاحبي ) السامع لنظامي والممتثل لكلامي ( ندي ) أي رطبا وهو منصوب خبر يكن ، وإنما وقف عليه بالسكون على لغة من يسكن الياء في النصب . قال أبو العباس المبرد : وهو من أحسن ضرورات الشعر ; لأنه حمل حالة النصب على حالتي الرفع والجر .

ومقتضى كلام الأشموني في شرح الألفية أن ذلك لغة لا ضرورة . وكلام [ ص: 491 ] المبرد صريح بأنه ضرورة ، واستدل لذلك بقول المجنون قيس بن الملوح :

    ولو أن واش باليمامة داره
وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا

قلت : وهذا البيت في قصيدة مجنون عامر وهو قيس بن الملوح المذكور ، توفي رحمه الله سنة سبعين وهو من التابعين ، وهذه القصيدة طويلة جدا وفيها يقول :

ألا أيها الركب اليمانون عرجوا     علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
يمينا إذا كانت يمينا فإن تكن     شمالا ينازعني الهوى من شماليا
أصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها     أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
أراني إذا صليت يممت نحوها     بوجهي ولو كان المصلى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبها     كمثل الشجا أعيا الطبيب المداويا
وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالليل خاليا
خليلي لا والله لا أملك الذي     قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها     فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
ولو أن واش باليمامة داره     وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
وماذا لهم لا أحسن الله حالهم     من الحظ في تصريم ليلى حباليا

والشاهد في قوله : ولو أن واش ، فكان مقتضى الظاهر أن يقول واشيا ; لأن الفتحة تظهر على المنقوص ، تقول رأيت قاضيا ولكن أجراه مجرى المرفوع والمجرور ، فإذا وقف عليه قال ولو أن واشي بالياء مثل قول الناظم ندي ، فندي منصوب بفتحة مقدرة على الياء لإجراء حالة النصب مجرى حالتي الرفع والجر والله أعلم .

وهذا الذي ذكره الناظم لما رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد عن عبد الله بن بشر رضي الله عنه { أن رجلا قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث - أي أتعلق - به قال : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله } . ورواه ابن أبي الدنيا عن مالك بن يخامر ولفظه { أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال لهم إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلت أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله } [ ص: 492 ] ورواه الطبراني واللفظ له والبزار إلا أنه قال : { أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله } . وكذا ابن حبان في صحيحه .

وعن أبي المخارق قال { قال النبي صلى الله عليه وسلم مررت ليلة أسري بي ، برجل مغيب في نور العرش ، قلت من هذا ملك ؟ قيل لا ، قلت نبي ؟ قيل لا ، قلت من هو ؟ قال هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب من ذكر الله تعالى وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسب لوالديه قط } رواه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث