الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في بيان الفرق بين الرضا والمحبة وبين الرجاء والخوف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في بيان الفرق بين الرضا والمحبة وبين الرجاء والخوف .

قال الجنيد قدس الله سره : الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب ، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضا ، وليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف ، فإن الرضا والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة لا يفارقان في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة ، بخلاف الخوف والرجاء فإنهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه ، وأمنهم مما كانوا يخافونه ، وإن كان [ ص: 531 ] رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائما لكنه ليس رجاء مشوبا بشك . بل رجاء واثق بوعد صادق من حبيب قادر ، فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون . وقال ابن عطاء الله الإسكندراني رحمه الله تعالى : الرضا سكون القلب إلى قدم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى به .

قال ابن القيم : وهذا الرضا بما منه ، وأما الرضا به فأعلى من هذا وأفضل ، ففرق بين من هو راض بمحبوبه وبين رضاه فيما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه .

واعلم أنه ليس من شرط الرضا أن لا يحس بالألم والمكاره ، بل أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه . ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه وطعنوا فيه وقالوا : هذا ممتنع على الطبيعة وإنما هو الصبر ، وإلا فكيف يجتمع الرضا والكراهة وهما ضدان . والصواب أنه لا تناقض بينهما ، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا تنافي الرضا ، كرضا المريض بشرب الدواء الكريه ، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها .

وقد قال الواسطي رحمه الله تعالى : استعمل الرضا جهدك ولا تدع الرضا يستعملك فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع . وهذا الذي أشار إليه رحمه الله عقبة عظيمة عند القوم ومقطع لهم ، فإن مساكنة الأحوال والسكون إليها والوقوف عندها استلذاذا ومحبة حجاب بينهم وبين ربهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم ، وهي عقبة لا يجوزها إلا أولو العزائم ، وكان الواسطي كثير التحذير من هذه شديد التنبيه عليها . ومن كلامه : إياكم واستحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة . فهو معنى قوله استعمل الرضا لا تدع الرضا يستعملك ، أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرضا بحيث تكون هي الباعثة لك عليه ، بل اجعله آلة لك وسببا موصلا إلى مقصودك ومطلوبك ، فتكون مستعملا له لا أنه مستعمل لك . وهذا لا يختص بالرضا بل هو عام في جميع الأحوال والمقامات القلبية التي يسكن إليها القلب .

قال ذو النون : ثلاثة من أعمال الرضا : ترك الاختيار قبل القضاء [ ص: 532 ] وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء وقيل للحسين بن علي رضي الله عنهما : إن أبا ذر يقول : الفقر أحب إلي من الغنى ، والسقم أحب إلي من الصحة ، فقال رضي الله عنه : رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول : من اتكل على حسن اختيار الله تعالى لم يتمن غير ما اختار الله له .

وقال الفضيل بن عياض لبشر الحافي : الرضا أفضل من الزهد في الدنيا ; لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته .

وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم { أسألك الرضا بعد القضاء } فقال : لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا ، والرضا بعد القضاء هو الرضاء .

وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : أما بعد فإن الخير كله في الرضا ، فإن استطعت أن ترضى وإلا فالصبر .

وقد أكثر العلماء لا سيما أرباب القلوب من الكلام في الرضا ، فقيل هو ارتفاع الجزع في أي حكم كان . وقيل رفع الاختيار ، وقيل استقبال الأحكام بالفرح . وقيل سكون القلب تحت مجاري الأحكام . وقيل نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد . وللفقير في الرضا بمر القضا شعر :

أنا في الهوى عبد وما للعبد أن يتعرضا     مالي على مر القضا
من حيلة غير الرضا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث