الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب روح المديون محبوسة بدينه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : روح المديون محبوسة بدينه حتى يقضى عنه دينه .

وقد ثبت في عدة أحاديث أن روح المديون محبوسة بدينه حتى يقضى عنه دينه .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد : سألت أبي رضي الله عنه عن رجل استدان دينا على أن يؤديه فتلف المال من يده وأصابه بعض حوادث الدنيا فصار معدما لا شيء له فهل يرجى له بذلك عند الله عز وجل عذر وخلاص من دينه إن مات على عدمه ولم يقض دينه ؟ فقال هذا عندي أسهل من الذي اختان وإن مات على عدمه فهذا واجب عليه . فظاهر هذا أنه يعاقب على ذلك أو يحتمل العقاب والترك والله يعوض المظلوم إن شاء . وقد ورد في الخبر أن الله يعوض عن بعض الناس ويدع بعضا .

وقد نص الإمام أحمد رضي الله عنه والأصحاب على صحة ضمان دين الميت المفلس ، ولم يفرقوا بين كون سببه محرما أو لا ، وبين التائب لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على من عليه ثلاثة دنانير أو ديناران ولم يخلف وفاء حتى ضمنها أبو قتادة كما في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها .

والظاهر من الصحابة قصد الخير ونية الأداء ، وأنهم عجزوا عن ذلك .

وعندنا يجتمع القطع والضمان على السارق . وذكره الإمام الموفق في المغني إجماعا على بقاء العين ، مع أن الحد كفارة لإثم ذلك الذنب لقوله عليه الصلاة والسلام { ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة } متفق عليه .

وفي المجلد التاسع عشر من فنون ابن عقيل ما نصه : وأنا أقول المطالبة في الآخرة فرع على المطالبة في الدنيا ، وكل حق لم يثبت في الدنيا فلا ثبات له في الآخرة . ومن خلف مالا وورثه فكأنه استناب في القضاء والدين كان مؤجلا ، فالنائب عنه يقضي مؤجلا والذمة عندي باقية ولا أقول الحق متعلق بالأعيان ، ولهذا تصح البراءة منه ، ويصح ضمان دين [ ص: 585 ] الميت ببقاء حكم الذمة ، فلا وجه لمطالبة الآخرة .

فقيل له الذي امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه كان معسرا ; لأنه سأل هل خلف وفاء فقيل لا ، وقد أجل الشرع دين المعسر أجلا حكيما بقوله ( { فنظرة إلى ميسرة } ثم أجله حال الحياة لم يوجب بقاءه بعد الموت حتى شهد الشرع بارتهانه ، فقال ابن عقيل : تلك قضية في عين فيحتمل أن يكون عند النبي صلى الله عليه وسلم علم بأنه كان مماطلا بالدين ثم افتقر بعد المطل بإنفاق المال ، فحمل الأمر على الأصل الذي عرف منه . وقضية الأعيان إذا احتملت وقفت فلا يعدل عن الأصل المستقر لأجلها ، والأصل المستقر هو أن كل حق موسع لا يحصل بتأخيره في زمان السعة والمهلة نوع مأتم ، بدليل من مات قبل خروج وقت الصلاة لا يأثم بخلاف من مات بعد خروج الوقت مع التأخير والإمكان من الأداء .

وقال الشيخ مجد الدين في شرح الهداية في مسألة صرف الزكاة في الحج : الغارم الذي لم يقدر في وقت في الأوقات على قضاء دينه غير مطالب به في الدنيا ولا في الآخرة ، فاعتبر القدرة لا المطالبة . ومثله قول الآجري فإنه قال : بعد أن ذكر الخبر أن الشهادة تكفر غير الدين . هذا إنما هو فيمن تهاون بقضاء دينه وأما من استدان دينا وأنفقه في غير صرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه فالله تعالى يقضيه عنه مات أو قتل . انتهى .

وحاصل هذا كله أن من أخذ مالا بغير سبب محرم بقصد الأداء وعجز إلى أن مات فإنه يطالب به في الآخرة عند الإمام أحمد حتى ولو صرفه في مباح ، وفي كونه صريحا أو ظاهرا نظر . قال ابن مفلح : ولم أجد من صرح بمثل ذلك من الأصحاب . وعند القاضي والآجري وابن عقيل وأبي يعلى الصغير والمجد وجماعة لا يطالب به . وظاهر إطلاق كلامهم ولو صرفه في محرم أو أتلفه عبثا ولعله غير مرادهم ، اللهم إلا أن يتوب من ذلك . ثم رأيت ابن مفلح صرح بأن إنفاقه في إسراف وتبذير ليس سببا في المطالبة به خلافا للآجري ، مع أنه مطالب بإنفاقه في وجه غير منهي عنه .

وأما من أخذه بسبب محرم وعجز عن الوفاء ولو ندم وتاب فهذا يطالب به في الآخرة . ولم نر من ذكر خلاف هذا من متقدمي الأصحاب ، وظاهره ولو أنفقه في مباح [ ص: 586 ] أو مطلوب . نعم في كلام صاحب الرعاية أنه متى عجز عن الوفاء وندم وتاب لا يطالب به . قال ابن مفلح في الآداب الكبرى عن كلام صاحب الرعاية : إنه غريب بعيد لم أجد به قائلا ، وإن احتج أحمد لذلك بأن التوبة تجب ما قبلها فالجواب الحكم المعلوم المستقر في الشريعة أنه لو ادعى عليه أنه غصب منه كذا فأقر به ألزم بأدائه ، وأنه لو أجاب بأن قال تبت من ذلك فلا يلزمني أنه لا يقبل منه بلا شك ، وأنه لو قبل ذلك لتعطلت الأحكام وبطلت الحقوق ، ولأن غايته أنه لا ذنب له .

ومن أخذه بسبب مباح لا يمنع من طلبه به وإلزامه به إجماعا ، فهذا أولى لظلمه . وأما إن أنفقه وأتلفه مسلم غير مكلف فإنه لم يمكن القول بأن صاحبه لا يجازى عليه ولا أنه يتبع به غير المكلف ; لأنه يفضي إلى تكليفه ودخوله النار بتحميله من سيئات صاحب المال . وقد نقل الإمام أحمد رضي الله عنه إجماع العلماء على أن من مات مسلما صغيرا من أهل الجنة ، فتعين أنه بمنزلة حرقه وغرقه من المصائب والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث