الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في ذكر الخلاف في حظر الغناء وإباحته

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في ذكر الخلاف في حظر الغناء وإباحته : وحظر الغناء الأكثرون قضوا به وعن أبوي بكر إمام ومقتد ( وحظر ) أي منع ( الغناء ) بالمد ( الأكثرون ) من علمائنا وغيرهم ، ومراده من أصحابنا ( قضوا ) أي حكموا ( به ) أي بحظره وحرمته لأنه ينبت في القلب النفاق .

[ ص: 153 ] قال عبد الله بن الإمام رضي الله عنهما : سألت أبي عن الغناء فقال الغناء ينبت النفاق في القلب ، وقال لا يعجبني . ثم ذكر قول الإمام مالك رحمه الله ورضي عنه إنما يفعله عندنا الفساق .

قال عبد الله وسمعت أبي يقول سمعت يحيى القطان يقول : لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ ، وقول أهل المدينة في السماع ، وأهل مكة في المتعة لكان فاسقا . وقال سليمان التيمي : لو أخذت برخصة كل عالم وزلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله .

قال الإمام المحقق ابن القيم في إغاثة اللهفان : قد تواتر عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن . فإذا كان هذا قول الشافعي في التغبير وتعليله له أنه يصد عن القرآن وهو شعر مزهد في الدنيا يغني به مغن ويضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو حجرة على توقيع غناء ، فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر - قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم . فالله بين دينه ، وبين كل متعلم مفتون ، وعابد جاهل .

قال سفيان بن عيينة : كان يقال : احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون . وقد روى علي بن الجعد عن محمد بن طلحة عن سعيد بن كعب المروزي عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع ، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع .

قال في إغاثة اللهفان : وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله . وقد روي مرفوعا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي ولفظه بعد سياق السند عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل } والموقوف أصح .

قال بعض العارفين : السماع يورث النفاق في قوم ، والخنا في قوم ، والكذب في قوم ، والفجور في قوم ، والرعونة في قوم ، وأكثر ما يورث عشق الصور واستحسان الفواحش ، وإدمانه يثقل القرآن على القلب [ ص: 154 ] ويكرهه إلى استماعه بالخاصة ، وهذا عين النفاق بالاتفاق . وذلك لأن الغناء قرآن الشيطان فلا يجتمع مع قرآن الرحمن في قلب واحد أبدا ، ولهذا كان الغناء ينبت النفاق في القلب .

وأيضا أساس النفاق أن يخالف الظاهر الباطن ، وهذا المستمع الغناء لا يخلو أن ينتهك المحارم فيكون فاجرا أو يظهر النسك والعبادة فيكون منافقا فإنه متى أظهر الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات ويلذع بنغمات الآلات ومحبة ما يكره الله ورسوله من أصوات المعازف وما يدعو إليه الغناء وبهيجه من قلبه كان من أعظم الناس نفاقا ، فإن هذا محض النفاق .

وقد كتب الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدوها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء ذكره الإمام ابن القيم .

قال في الإنصاف والفروع وغيرهما : قال جماعة : يحرم الغناء . قال في الترغيب : اختاره الأكثر كما أشار إليه الناظم . قال الإمام أحمد : لا يعجبني وقال في الوصي يبيع أمة الصبي على أنها غير مغنية وعلى أنها لا تقرأ بالألحان .

( وعن ) الإمامين الكبيرين ( أبوي بكر إمام ) بدل من أبوي بكر وأراد به الإمام الأوحد والهمام الأمجد أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى ورضي عنه ، له التصانيف الدائرة ، والكتب السائرة ، والنظر الناقد ، والخاطر الواقد ، فمن تصانيفه الجامع الذي دار بلاد الإسلام حتى جمعه ، والعلل ، والسنة ، والعلم ، والطبقات ، وتفسير الغريب ، والأدب ، وأخلاق الإمام أحمد رضي الله عنه وغير ذلك . سمع الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر ومحمد بن عوف الحمصي وطبقتهم ، وصحب أبا بكر المروذي إلى أن مات ، وسمع جماعة من أصحاب الإمام أحمد رضي الله عنه وعنهم ، منهم غير المروذي صالح وعبد الله ابنا الإمام رضي الله عنهما ، وإبراهيم الحربي ، والميموني ، وبدر المغازلي ، وأبو يحيى الناقد ، وحنبل ، وحرب الكرماني ، وأبو زرعة ، وخلق سواهم ، سمع منهم مسائل الأمام أحمد [ ص: 155 ] ورحل إلى أقاصي البلاد في جمعها وسماعها ممن سمعها من الإمام أحمد ، وممن سمعها ممن سمعها منه ، شهد له شيوخ المذهب بالفضل والتقدم ، حدث عنه جماعة ، منهم محمد بن المظفر ، ومحمد بن يوسف الصيرفي ، وخلق كثير ، وكانت له حلقة بجامع المهدي . توفي رضي الله عنه يوم الجمعة لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وثلاثمائة ، ودفن إلى جنب قبر المروذي عند رجلي الإمام أحمد رضي الله عنهم .

( ومقتد ) بالجر عطف على إمام أي تابع ومقلد وحذا حذو متبوعه ، وهو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف المعروف بغلام الخلال ، حدث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، وموسى بن هارون ومحمد بن الفضل الوصيفي ، وأبي خليفة الفضل بن الحباب البصري ، والحسين بن عبد الله الخرقي ، وأبي قاسم البغوي ، وآخرين ، وأخذ عنه عالم من العلماء ، منهم ابن شاقلا ، وأبو عبد الله بن بطة ، وأبو الحسن بن التميمي ، وأبو حفص البرمكي ، والعكبري ، وأبو عبد الله بن حامد . كان أبو بكر عبد العزيز أحد أهل الفهم موثوقا به في العلم ، متسع الرواية ، متين الدراية ، مشهورا بالديانة ، موصوفا بالأمانة ، مذكورا بالعبادة والعفة والصيانة ، له المصنفات في العلوم المختلفات ، كالشافي ، والمقنع ، وتفسير القرآن ، والخلاف مع الشافعي ، وكتاب القولين ، وزاد المسافر والتنبيه ، وغير ذلك ، وذكره الإمام القاضي أبو يعلى ، ووصفه بالدين والورع والعلم والبراعة ، وكان له قدم راسخ في تفسير القرآن ومعرفة معانيه . روي أن رافضيا سأله عن قوله تعالى { والذي جاء بالصدق وصدق به } من هو ؟ قال : أبو بكر الصديق ، فرد عليه وقال بل هو علي ، فهم به الأصحاب ، فقال دعوه ، ثم قال اقرأ ما بعدها { لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } وهذا يقتضي أن يكون هذا المصدق ممن له سيئات سبقت ، وعلى قولك أيها السائل لم يكن لعلي سيئات ، فقطعه . وهذا استنباط حسن إنما يعقله أهل العلم واللسان . فدل على علمه وحلمه وحسن خلقه ، فإنه لم يقابل السائل على جفائه وعدل إلى العلم ، وهذا دأب أهل العلم والفهم . توفي رضي الله عنه يوم الجمعة بعد الصلاة لعشر بقين من [ ص: 156 ] شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة . روي عنه أنه قال : أنا عندكم ليوم الجمعة وذلك في علته ، فقيل له يعافيك الله أو كلاما هذا معناه فقال سمعت أبا بكر الخلال سمعت أبا بكر المروذي يقول : عاش الإمام أحمد بن حنبل ثمانيا وسبعين سنة ، ومات يوم الجمعة ، ودفن بعد الصلاة ، وعاش أبو بكر الخلال ثمانيا وسبعين سنة ، ومات يوم الجمعة ، ودفن بعد الصلاة ، وأنا عندكم إلى يوم الجمعة ، ولي ثمان وسبعون سنة فلما كان يوم الجمعة مات ودفن بعد الصلاة ، وهو من غريب الاتفاق ، ونظيره سيد العالم عاش ثلاثا وستين ، وأبو بكر عاش ثلاثا وستين ، وعمر عاش ثلاثا وستين ، وعلي عاش ثلاثا وستين ، وهذا من غريب الاتفاق . فهذان الإمامان اللذان هما الخلال وغلامه يروى عنهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث