الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال : ( فإن وقع الصلح عن إقرار  اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال ) لوجود معنى البيع ، وهو مبادلة المال بالمال في حق المتعاقدين بتراضيهما ( فنجري فيه الشفعة إذا كان عقارا ، ويرد بالعيب ، ويثبت فيه خيار الرؤية والشرط ، ويفسده جهالة البدل ) لأنها هي المفضية إلى المنازعة دون جهالة المصالح عنه ؛ لأنه يسقط ويشترط القدرة على تسليم البدل ( وإن وقع عن مال بمنافع يعتبر بالإجارات ) لوجود معنى الإجارة وهو تمليك المنافع بمال والاعتبار في العقود لمعانيها [ ص: 410 ] فيشترط التوقيت فيها ، ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة لأنه إجارة ( والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة ) لما بينا ( ويجوز أن يختلف حكم العقد في حقهما كما يختلف حكم الإقالة في حق المتعاقدين وغيرهما ) وهذا في الإنكار ظاهر ، وكذا في السكوت لأنه يحتمل الإقرار والجحود ، فلا يثبت كونه عوضا في حقه بالشك .

قال : ( وإذا صالح عن دار  لم يجب فيها الشفعة ) معناه إذا كان عن إنكار أو سكوت ؛ لأنه يأخذها على أصل حقه ويدفع المال دفعا لخصومة المدعي ، وزعم المدعي لا يلزمه ، بخلاف ما إذا صالح على دار حيث يجب فيها الشفعة ؛ لأن المدعي يأخذها عوضا عن المال فكان معاوضة في حقه ، فتلزمه الشفعة بإقراره ، وإن كان المدعى عليه يكذبه .

قال : ( وإذا كان الصلح عن إقرار واستحق بعض المصالح عنه  رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض ) ؛ لأنه معاوضة مطلقة كالبيع وحكم الاستحقاق في البيع هذا

( وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه رجع المدعي بالخصومة ورد العوض ) ؛ لأن المدعى عليه ما بذل العوض إلا ليدفع خصومته عن نفسه ، فإذا ظهر الاستحقاق تبين أن لا خصومة له فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه فيسترده ، [ ص: 411 ] وإن استحق بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه ؛ لأنه خلا العوض في هذا القدر عن الغرض . ولو استحق المصالح عليه عن إقرار رجع بكل المصالح عنه ؛ لأنه مبادلة ، وإن استحق بعضه رجع بحصته . وإن كان الصلح عن إنكار أو سكوت رجع إلى الدعوى في كله أو بقدر المستحق إذا استحق بعضه ؛ لأن المبدل فيه هو الدعوى ، وهذا بخلاف ما إذا باع منه على الإنكار شيئا حيث يرجع بالمدعى ؛ لأن الإقدام على البيع إقرار منه بالحق له ، ولا كذلك الصلح لأنه قد يقع لدفع الخصومة ، ولو هلك بدل الصلح قبل التسليم  فالجواب فيه كالجواب في الاستحقاق في الفصلين .

قال : ( وإن ادعى حقا في دار ولم يبينه فصولح من ذلك ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئا من العوض ؛ لأن دعواه يجوز أن يكون فيما بقي ) بخلاف ما إذا استحق كله ؛ لأنه يعرى العوض عند ذلك عن شيء يقابله فيرجع بكله على ما قدمناه في البيوع . ولو ادعى دارا فصالحه على [ ص: 412 ] قطعة منها لم يصح الصلح لأن ما قبضه من عين حقه وهو على دعواه في الباقي . والوجه فيه أحد أمرين : إما أن يزيد درهما في بدل الصلح فيصير ذلك عوضا عن حقه فيما بقي ، أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي .

التالي السابق


فتح القدير

( قوله : فإن وقع الصلح عن إقرار اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال . . . ) إلخ ، هذا لفظ القدوري في مختصره ، ولما كان الأصل أن الصلح يجب حمله على أقرب العقود إليه ، كما صرحوا به أراد أن يبين ضابطه يعرف بها أنه على أي عقد يحمل .

أقول : ليست هذه الضابطة بتامة ؛ لأن الصلح عن إقرار قد يقع عن منافع بمال أو بمنفعة ، كما إذا أوصى لرجل بسكنى داره سنة ، فمات وادعى الموصى له السكنى فصالحه الورثة عن ذلك على دراهم معينة أو على خدمة عبد شهرا أو على ركوب دابة شهرا ، فإن كل ذلك جائز على ما صرحوا به في أول الفصل الآتي مع أنه لم يذكر في هذه الضابطة ، وإن كان في معنى عقد الإجارة ، وكذا يقع عما ليس بمال ولا منفعة كالصلح عن جناية العمد فإنه جائز وهو بمنزلة النكاح ، حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح هاهنا أيضا ، كما سيأتي في الكتاب ، مع أنه ليس بمذكور أيضا في هاتيك الضابطة ، وليس في معنى عقد البيع ولا في معنى عقد الإجارة ، بل هو [ ص: 410 ] في معنى عقد النكاح ، فلم يفهم من الضابطة المذكورة قط ، وكذا يقع الصلح عن دعوى الرق بمال فيكون في معنى الإعتاق على مال وعن دعوى الزوج النكاح بمال فيكون في معنى الخلع ، وليس شيء منهما بداخل أيضا في الضابطة المذكورة ، ولا مفهوم منها أصلا ، فكانت قاصرة عن إفادة تمام المراد . لا يقال : يستغنى عن ذكر تلك الصور هاهنا بما ذكر في الفصل الآتي عن قريب ؛ لأنا نقول : قد ذكر هناك ما ذكره هاهنا أيضا بأن قال : والصلح جائز عن دعوى الأموال والمنافع فلا يتم العذر . ثم إن كون الصلح عن إقرار في معنى البيع إذا وقع عن مال بمال إنما هو فيما إذا وقع على خلاف جنس المدعى ، وأما فيما إذا وقع على جنسه فإن كان بأقل من المدعى فهو حط وإبراء ، وإن كان بمثله فهو قبض واستيفاء ، وإن كان بأكثر منه فهو فضل وربا ، صرح به في التبيين وغيره .

( قوله : والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة ، وفي حق المدعي بمعنى المعاوضة لما بينا . . . ) إلخ ، أشار به إلى ما ذكره بقوله : لأن المدعي يأخذه عوضا عن حقه في زعمه . أقول : هاهنا كلام . [ ص: 411 ] وهو أن كون الصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعي مطلقا بمعنى المعاوضة ممنوع ؛ فإنه إذا ادعى عينا وأنكر المدعى عليه أو سكت ودفع المدعي إلى المدعى عليه شيئا بطريق الصلح وأخذ العين كان ذلك الصلح جائزا على ما صرحوا به ، مع أنه في حق المدعي ليس بمعنى المعاوضة ؛ لأن في زعم المدعي أن العين الذي ادعاه حقه ، ولا يتصور أن يعاوض إنسان ملك نفسه بل هو [ ص: 412 ] في حق المدعي في تلك الصورة لقطع الخصومة ، كما صرحوا به أيضا . ( قوله : أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي ) . قال صاحب النهاية : فإن قلت : كيف صورة البراءة؟ قلت : هي أن يقول : قد برئت من هذه الدار ، أو يقول : قد برئت من دعواي في هذه الدار ، فهذا جائز ، حتى لو ادعى بعد ذلك وجاء ببينة لا تقبل .

أما لو قال : أبرأتك عن هذه الدار ، أو قال : قد أبرأتك عن خصومتي في هذه الدار ، فهذا وأمثاله باطل ، وله أن يخاصم فيها بعد ذلك . وفرق بين قوله : برئت ، وبين قوله : أبرأتك ؛ فإن في قوله : أبرأتك إنما أبرأه من ضمانه لا من الدعوى ، وعن هذا قالوا : إن عبدا في يد رجل لو قال له رجل : برئت منه ، كان بريئا منه ، ولو قال : " أبرأتك منه " ، كان له أن يدعيه ، وإنما أبرأه من ضمانه ، كذا في الذخيرة ، إلى هاهنا كلامه .

أقول : فيه نظر : أما أولا : فلأن بيان صورة البراءة بقوله : برئت من هذه الدار مع كونه غير مطابق للمشروح وهو قول المصنف : أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي ، يدل على صحة البراءة من العين ، وليس كذلك ؛ لأن مدار عدم صحة الصلح عن بعض المدعى في العين بدون الحيلة في تصحيحه بأحد الأمرين إنما هو عدم صحة البراءة من العين ، وإلا لصح الصلح على ذلك ، بأن كان استيفاء لبعض الحق وإسقاطا لبعضه الباقي ، كما في الصلح على بعض المدعى في الدين ، فالصورة الصحيحة المطابقة للمشروح إنما هو قوله : برئت من دعواي في هذه الدار .

وأما ثانيا : فلأن قوله : فإن في قوله : " أبرأتك " ، إنما أبرأه من ضمانه ، لا من الدعوى ، إنما يتمشى في قوله : أبرأتك عن هذه الدار ، لا في قوله : أبرأتك عن خصومتي ؛ لأن الإبراء من الخصومة هو الإبراء من الدعوى ، وقد صرح بأن قوله : أبرأتك عن خصومتي في هذه الدار باطل أيضا بخلاف ما قالوا في عبد في يد رجل ؛ فإن المذكور هناك في جانب الإبراء إنما هو قول الآخر : أبرأتك منه ، لا غير ، تبصر .




الخدمات العلمية