الهداية شرح بداية المبتدي
قال : ( فإن وقع الصلح عن إقرار اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال ) لوجود معنى البيع ، وهو مبادلة المال بالمال في حق المتعاقدين بتراضيهما ( فنجري فيه الشفعة إذا كان عقارا ، ويرد بالعيب ، ويثبت فيه خيار الرؤية والشرط ، ويفسده جهالة البدل ) لأنها هي المفضية إلى المنازعة دون جهالة المصالح عنه ؛ لأنه يسقط ويشترط القدرة على تسليم البدل ( وإن وقع عن مال بمنافع يعتبر بالإجارات ) لوجود معنى الإجارة وهو تمليك المنافع بمال والاعتبار في العقود لمعانيها [ ص: 410 ] فيشترط التوقيت فيها ، ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة لأنه إجارة ( والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة ) لما بينا ( ويجوز أن يختلف حكم العقد في حقهما كما يختلف حكم الإقالة في حق المتعاقدين وغيرهما ) وهذا في الإنكار ظاهر ، وكذا في السكوت لأنه يحتمل الإقرار والجحود ، فلا يثبت كونه عوضا في حقه بالشك .
قال : ( وإذا صالح عن دار لم يجب فيها الشفعة ) معناه إذا كان عن إنكار أو سكوت ؛ لأنه يأخذها على أصل حقه ويدفع المال دفعا لخصومة المدعي ، وزعم المدعي لا يلزمه ، بخلاف ما إذا صالح على دار حيث يجب فيها الشفعة ؛ لأن المدعي يأخذها عوضا عن المال فكان معاوضة في حقه ، فتلزمه الشفعة بإقراره ، وإن كان المدعى عليه يكذبه .
قال : ( وإذا كان الصلح عن إقرار واستحق بعض المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض ) ؛ لأنه معاوضة مطلقة كالبيع وحكم الاستحقاق في البيع هذا
( وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه رجع المدعي بالخصومة ورد العوض ) ؛ لأن المدعى عليه ما بذل العوض إلا ليدفع خصومته عن نفسه ، فإذا ظهر الاستحقاق تبين أن لا خصومة له فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه فيسترده ، [ ص: 411 ] وإن استحق بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه ؛ لأنه خلا العوض في هذا القدر عن الغرض . ولو استحق المصالح عليه عن إقرار رجع بكل المصالح عنه ؛ لأنه مبادلة ، وإن استحق بعضه رجع بحصته . وإن كان الصلح عن إنكار أو سكوت رجع إلى الدعوى في كله أو بقدر المستحق إذا استحق بعضه ؛ لأن المبدل فيه هو الدعوى ، وهذا بخلاف ما إذا باع منه على الإنكار شيئا حيث يرجع بالمدعى ؛ لأن الإقدام على البيع إقرار منه بالحق له ، ولا كذلك الصلح لأنه قد يقع لدفع الخصومة ، ولو هلك بدل الصلح قبل التسليم فالجواب فيه كالجواب في الاستحقاق في الفصلين .
قال : ( وإن ادعى حقا في دار ولم يبينه فصولح من ذلك ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئا من العوض ؛ لأن دعواه يجوز أن يكون فيما بقي ) بخلاف ما إذا استحق كله ؛ لأنه يعرى العوض عند ذلك عن شيء يقابله فيرجع بكله على ما قدمناه في البيوع . ولو ادعى دارا فصالحه على [ ص: 412 ] قطعة منها لم يصح الصلح لأن ما قبضه من عين حقه وهو على دعواه في الباقي . والوجه فيه أحد أمرين : إما أن يزيد درهما في بدل الصلح فيصير ذلك عوضا عن حقه فيما بقي ، أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي .


