الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
. قال ( وإذا ادعت المرأة طلاقا قبل الدخول استحلف الزوج ، فإن نكل ضمن نصف المهر في قولهم جميعا ) لأن الاستحلاف يجري في الطلاق عندهم لا سيما إذا كان المقصود هو المال ، [ ص: 188 ] وكذا في النكاح إذا ادعت هي الصداق لأن ذلك دعوى المال ، ثم يثبت المال بنكوله ولا يثبت النكاح ، وكذا في النسب إذا ادعى حقا كالإرث والحجر في اللقيط [ ص: 189 ] والنفقة وامتناع الرجوع في الهبة ، لأن المقصود هذه الحقوق [ ص: 190 ] وإنما يستحلف في النسب المجرد عندهما إذا كان يثبت بإقراره كالأب والابن في حق الرجل والأب في حق المرأة ، لأن في دعواها الابن تحميل النسب على الغير والمولى والزوج في حقهما .

التالي السابق


( قال ) أي محمد رحمه الله في الجامع الصغير ( وإذا ادعت المرأة طلاقا قبل الدخول استحلف الزوج ، فإن نكل ضمن نصف المهر في قولهم جميعا لأن الاستحلاف يجري في دعوى الطلاق عندهم لا سيما إذا كان المقصود هو المال ) وفائدة تعيين صورة المسألة في الطلاق قبل الدخول هي تعليم [ ص: 188 ] أن دعوى المهر لا تتفاوت بين أن تكون الدعوى في كل المهر أو نصفه ، كذا في النهاية ومعراج الدراية . قال صاحب العناية : وفيه نظر لأن الإطلاق يغني عن ذلك ، وليس فيه توهم التقييد بذلك انتهى .

وأجاب عنه بعضهم بأنه لو أطلق لربما ذهب الوهم إلى الطلاق بعد الدخول لغلبته فقيد به ليعلم حكمه بطريق الأولوية ، فإنه إذا استحلف قبل تأكد المهر فبعده أولى كما لا يخفى قال المصنف ( وكذا في النكاح إذا ادعت هي الصداق ) أي وكذا يستحلف الزوج بالإجماع فيما إذا ادعت المرأة مع النكاح الصداق ( لأن ذلك دعوى المال ) أي المقصود من ذلك دعوى المال ( ثم يثبت المال بنكوله ولا يثبت النكاح ) يعني يثبت المال بنكوله في قولهم جميعا لأن المال يجري فيه الإقرار والبذل ، ولا يثبت النكاح في قول أبي حنيفة رحمه الله لأن النكاح لا يجري فيه البذل .

قال بعض الفضلاء : فإن قيل : يلزم على هذا أن يتحقق الملزوم بدون اللازم . قلنا : يجوز أن يحكم بثبوت النكاح في حق المهر بالنكول لا مطلقا ، على أن المهر ليس يستلزم النكاح القائم لبقائه حال الفرقة والطلاق انتهى . أقول : كل واحد من أصل جوابه وعلاوته مختل .

أما الأول فلأنه لو جاز أن يحكم بثبوت النكاح في حق المهر بالنكول لجاز البذل في النكاح في الجملة : أي في بعض الحالات ولم يقل به صاحب مذهب قط . وأما الثاني فلأن المهر وإن لم يستلزم قيام النكاح في البقاء ولكن يستلزم تحقق النكاح في الابتداء كما لا يخفى . ومعنى المسألة التي نحن فيها أن النكاح لا يثبت بالنكول لا في الابتداء ولا في البقاء لعدم جريان البذل فيه على كل حال فلم يندفع السؤال . ثم أقول في الجواب عن سؤاله : إن ثبوت المهر في الواقع يستلزم ثبوت النكاح فيه ، وأما ثبوته عند القاضي فلا يستلزم ثبوت النكاح عنده لأن معنى ثبوته عنده ظهوره له ، إذ قد مر أن الحجج الشرعية مثبتة في علم القاضي مظهرة في الواقع ، ولا يستلزم ظهور الملزوم ظهور اللازم لجواز أن تقوم الحجة على الأول دون الثاني كما فيما نحن فيه .

فالذي يلزم من المسألة المذكورة ثبوت المهر عند القاضي بدون ثبوت النكاح عنده ، ولا محذور فيه لعدم الاستلزام كما عرفت ، وقس على هذا أحوال نظائره من المسائل الآتية المتصلة به في الكتاب ، فإن ما ذكرناه مخلص في الجميع .

قال المصنف ( وكذا في النسب ) أي وكذا يستحلف في النسب بالإجماع ( إذا ادعى حقا ) أي إذا ادعى مع النسب حقا آخر ( كالإرث ) بأن ادعى رجل على رجل أنه أخ المدعى عليه مات أبوهما وترك مالا في يد المدعى عليه فإنه يستحلف بالإجماع ، فإن حلف برئ ، وإن نكل يقضى بالمال دون النسب ( والحجر في اللقيط ) بأن ادعت امرأة حرة الأصل صبيا لا يعبر عن نفسه كان في يد رجل التقطه أنه أخوها وأنها أولى بحضانته فإنه يستحلف بالإجماع ، فإن نكل ثبت لها حق نقل [ ص: 189 ] الصبي إلى حجرها دون النسب ( والنفقة ) بأن ادعى زمن على موسر أنه أخوه وأن نفقته عليه فأنكر المدعى عليه الأخوة يستحلف بالإجماع ، فإن نكل يقضى بالنفقة دون النسب ( وامتناع الرجوع في الهبة ) بأن أراد الواهب الرجوع في الهبة فقال الموهوب له أنت أخي يريد بذلك إبطال حق الرجوع فإنه يستحلف بالإجماع ، فإن نكل ثبت امتناع الرجوع دون النسب ( لأن المقصود هذه الحقوق ) دليل للمجموع : يعني أن المقصود بالدعوى في المسائل المذكورة هذه الحقوق : أي دون النسب المجرد ، ثم إن صاحب العناية بعدما فسر قول المصنف لأن المقصود هذه الحقوق بقوله : أي دون النسب المجرد قال في تعليله فإن فيه تحميله على الغير وهو لا يجوز انتهى .

أقول : فيه نظر ; لأن تحميل النسب على الغير لا يلزم في المسائل المذكورة مطلقا بل إنما يلزم فيما إذا كان النسب مما لا يثبت بالإقرار كالأخوة ونحوها ، وأما فيما إذا كان مما يثبت بالإقرار كالأبوة والبنوة فلا ، والمسائل المذكورة تعم الصورتين معا ، ألا يرى أن المدعي في صورة النفقة إذا قال للمدعى عليه أنت أبي فإن المسألة بحالها وكذا الحال في صورة امتناع الرجوع في الهبة ، وكذا المدعية في صورة الحجر في اللقيط إذا قالت إن الصبي ابنها فإن المسألة بحالها أيضا وكان التعليل المذكور قاصرا عن إفادة كلية المدعي . وقال بعض الفضلاء : الأظهر أن يقول صاحب العناية بدل التعليل الذي ذكره : فإن البذل لا يجري فيه كما قال آنفا في صورة دعوى النكاح انتهى .

أقول : وفيه أيضا نظر ، فإن المعلل هاهنا أن لا يكون المقصود بالدعوى في المسائل المذكورة النسب المجرد ، وعدم جريان البذل في النسب المجرد لا يفيده لأن الحجج على الدعوى غير منحصرة في النكول ، بل منها أيضا إقامة البينة وإقرار الخصم ، والبذل إنما هو للنكول من بينها فلا يلزم من عدم جريانه في النسب المجرد عدم جريان سائر الحجج فيه حتى لا يصح أن يكون مقصودا بالدعوى في المسائل المذكورة ، بخلاف ما قاله في صورة دعوى النكاح فإن المعلل هناك عدم ثبوت النكاح بالنكول ، وعدم جريان البذل في النكاح يفيده قطعا . لا يقال : التعليل الصحيح هنا أن يقال فإنه لو كان المقصود بالدعوى في المسائل المذكورة هو النسب المجرد لما ادعى المدعي فيها مع النسب حقا آخر والمفروض في كل واحدة من تلك المسائل ادعاء المدعي معه حقا آخر كما ينادي عليه قول المصنف وكذا في النسب إذا ادعى حقا كالإرث إلخ .

لأنا نقول : هذا إنما يتم فيما إذا كان النسب مما يثبت بالإقرار كالبنوة ونحوها ، فإن دعوى النسب المجرد تسمع في تلك الصورة ، فلو كان مقصود المدعي فيها دعوى النسب المجرد لما ادعى معه حقا آخر ، وأما إذا كان النسب مما لا يثبت بالإقرار كالأخوة ونحوها فلا ; لأن دعوى النسب المجرد لا تسمع في هذه الصورة ، بل يتوقف فيها استماع الدعوى وقبول البينة على أن يدعي المدعي مع النسب حقا آخر لنفسه كما صرح به في عامة معتبرات الفتاوى فيجوز أن يكون مقصود المدعي في هذه الصورة النسب المجرد ويدعي مع النسب حقا آخر لمجرد التوسل به إلى مقصوده وهو النسب المجرد ، والمسائل [ ص: 190 ] المذكورة تعم الصورتين معا كما بيناه من قبل ، فكان هذا التعليل أيضا قاصرا على إفادة كلية المدعي .

وبالجملة لم يظهر لقول المصنف ( لأن المقصود هذه الحقوق ) علة واضحة شاملة لجميع صور تلك المسائل العامة فكان هذا هو السر في أن صاحب الكافي لم يذكر قول المصنف هذا أصلا مع أن عادته اقتفاء أثر المصنف في أمثاله ، وأن أكثر الشراح لم يتعرضوا لشرحه وبيانه بالكلية ( وإنما يستحلف في المجرد ) قيد به احترازا عما هو مقرون بدعوى حق آخر كما مر آنفا ( عندهما ) أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ( إذا كان يثبت بإقراره ) أي إذا كان يثبت النسب بمجرد إقرار المدعى عليه فإن النكول عندهما إقرار فكل نسب لو أقر به المدعى عليه ثبت يثبت بالنكول أيضا ( كالأب والابن في حق الرجل ) فإنه إذا أقر بالأب والابن يصح إقراره ويثبت نسب المقر له منه بمجرد إقراره ( والأب في حق المرأة ) فإنها إذا أقرت بالأب يصح إقرارها ويثبت نسب المقر له منها بمجرد إقرارها ، وأما لو أقرت بالابن فلا يصح إقرارها ولا يثبت نسبه منها ( لأن في دعواها الابن ) أي في ادعائها الابن : أي في إقرارها به ، كذا في النهاية وغاية البيان تأمل ( تحميل النسب على الغير ) وهو لا يجوز ( والمولى ) أي وكالولي : يعني السيد ( والزوج في حقهما ) أي في حق الرجل والمرأة ، وهذا القيد : أعني قوله في حقهما متعلق بالمولى والزوج جميعا ، فإن إقرار الرجل والمرأة بالمولى والزوج يصح .

وحاصل كلام المصنف هاهنا أن إقرار الرجل يصح بأربعة : بالأب والابن والمولى والزوجة ، وإقرار المرأة يصح بثلاثة : بالأب والمولى والزوج ، ولا يصح بالولد لأن فيه تحميل النسب على الغير . وكان أصل المسألة في محلها أن إقرار الرجل يصح بخمسة : بالوالدين والولد والزوجة والمولى . وإقرار المرأة يصح بأربعة : بالوالدين والزوج والمولى ، ولا يصح بالولد لما مر ، فكأن المصنف اكتفى بذكر الأب عن ذكر الأم لظهور اشتراكهما في الحكم المذكور .

قال شيخ الإسلام خواهر زاده في مبسوطه : الأصل في هذا الباب أن المدعى قبله النسب إذا أنكر هل يستحلف إن كان بحيث لو أقر به لا يصح إقراره عليه ، فإنه لا يستحلف عندهم جميعا لأن اليمين لا تفيد ، فإن فائدة اليمين النكول حتى يجعل النكول بذلا أو إقرارا فيقضى عليه ، فإذا كان لا يقضى عليه لو أقر فإنه لا يستحلف عندهم جميعا ، وإن كان المدعى قبله بحيث لو أقر لزمه ما أقر به ، فإذا أنكر هل يستحلف على ذلك ؟ فالمسألة على الاختلاف عند أبي حنيفة رحمه الله لا يستحلف ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يستحلف ، فإن حلف برئ ، وإن نكل عن اليمين لزمه الدعوى ، فعلى هذا الأصل تخرج مسائل الباب انتهى .




الخدمات العلمية