الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 69 ] ( ومن قال لعبد اشتر لي نفسك من مولاك فقال لمولاه بعني نفسي لفلان بكذا ففعل فهو للآمر ) ; لأن العبد يصلح وكيلا عن غيره في شراء نفسه ; لأنه أجنبي عن ماليته ، والبيع يرد عليه من حيث إنه مال إلا أن ماليته في يده حتى لا يملك البائع الحبس بعد البيع [ ص: 70 - 71 ] فإذا أضافه إلى الآمر صلح فعله امتثالا فيقع . العقد للآمر . [ ص: 72 ] ( وإن عقد لنفسه فهو حر ) ; لأنه إعتاق وقد رضي به المولى دون المعاوضة ، والعبد وإن كان وكيلا بشراء شيء معين ولكنه أتى بجنس تصرف آخر وفي مثله ينفذ على الوكيل ( وكذا لو قال بعني نفسي ولم يقل لفلان فهو حر ) ; لأن المطلق يحتمل الوجهين فلا يقع امتثالا بالشك فيبقى التصرف واقعا لنفسه .

التالي السابق


( قال ) أي محمد في الجامع الصغير ( ومن قال لعبد اشتر لي نفسك من مولاك ) هذه هي المسألة الثانية من المسألتين اللتين يشملهما هذا الفصل .

فمن وكل عبدا بشراء نفسه من مولاه فلا يخلو إما أن يضيف العبد العقد إلى موكله أو إلى نفسه ، أو أطلق فإن أضافه إلى موكله ( فقال لمولاه بعني نفسي لفلان بكذا ففعل ) أي ففعل المولى ذلك ( فهو ) أي العقد أو العبد ( للآمر ; لأن العبد يصلح وكيلا عن غيره في شراء نفسه ; لأنه ) أي العبد ( أجنبي عن ماليته ) ; لأنها لمولاه ، حتى لو أقر بها لغيره لم يصح ( والبيع يرد عليه ) أي على العبد ( من حيث إنه مال ) لا من حيث إنه آدمي فكان توكيله بشراء نفسه كتوكيله بغيره من أموال المولى أو كتوكيل أجنبي بشراء نفسه .

قال شمس الأئمة : أما صحة هذا التوكيل فلأن العبد مخاطب له عبارة ملزمة كالحر ، وإنما يصلح الحر أن يكون وكيلا لغيره بالشراء باعتبار أن له عبارة صحيحة فكذلك العبد ( إلا أن ماليته في يده ) استثناء من قوله ; لأنه أجنبي عن ماليته : يعني أن مالية العبد في يد نفسه ( حتى لا يملك البائع الحبس بعد البيع ) فإنه لو أراد البائع أن يحبسه بعد [ ص: 70 ] البيع لاستيفاء الثمن لم يكن له ذلك ; لأن ماليته في يده لكونه مأذونا له فصار كالمودع إذا اشترى الوديعة وهي بحضرته لم يكن للبائع حبسها ( لاستيفاء الثمن ) لكونها مسلمة إليه . قال تاج الشريعة : فإن قلت : الاحتراز عن هذا غير ممكن فلا يصير تسليمها يسقط حق الحبس ، كما قلنا إن قبض الوكيل ليس بقبض في الموكل حتى يثبت للوكيل حق الحبس عندنا لعدم الاحتراز قلت : الشرع لا يرد بالمحال ، وكون المالية هاهنا في يد العبد أمر حسي لا مرد له ، وكون قبض الوكيل قبض الموكل أمر اعتباري فجاز أن لا يعتبر انتهى .

أقول : كل واحد من سؤاله وجوابه منظور فيه . أما السؤال فلأن قوله كما قلنا إن قبض الوكيل ليس بقبض الموكل في أثناء هذا السؤال مخل بالمقصود ; لأن حاصل هذا السؤال أن التسليم الكائن فيما نحن فيه لا يسقط حق الحبس ; لأنه تسليم ضروري لا يمكن الاحتراز عنه ، وما هو كذلك فهو عفو لا يسقط حق الحبس كما مر في حبس الوكيل المبيع لاستيفاء الثمن ، وعلى تقدير أن لا يكون قبض الوكيل قبض الموكل لا يتحقق التسليم إلى الموكل هناك فلا يكون نظيرا لما نحن فيه . فالوجه أن يقال : بدل ذلك كما قلنا في قبض الوكيل . وتوضيح المقام أن لنا قولين في قبض الوكيل على ما مر : أحدهما أن قبض الوكيل قبض الموكل وتسليم إليه لكنه تسليم ضروري لا يمكن التحرز عنه فلا يسقط حق الحبس . وثانيهما أن قبض الوكيل ليس بقبض الموكل في الابتداء بل هو موقوف فيقع للموكل إن لم يحبسه ولنفسه إن حبسه ، وصحة التنظير على القول الأول دون الثاني .

وأما الجواب فلأن الفرق بين كون مالية العبد في يده وبين كون قبض الوكيل قبض الموكل بأن الأول أمر حسي لا مرد له ، والثاني أمر اعتباري ، فجاز أن لا يعتبر الثاني دون الأول مما لا يجدي طائلا في قطع مادة السؤال المذكور ; لأن خلاصته منع كون التسليم فيما نحن فيه مسقطا لحق الحبس بناء على كونه تسليما ضروريا لا يمكن الاحتراز عنه لا منع تحقق التسليم فيما نحن فيه ، وكون مالية العبد مما لا مرد له إنما يدفع منع تحقق التسليم فيه لا منع كون التسليم فيه مسقطا لحق الحبس كما لا يخفى .

وإنما تأثير الفرق المزبور بالنظر إلى ما أدرجه في أثناء السؤال المذكور من المقدمة المستدركة المخلة بالمقصود كما عرفته لا بالنظر إلى ما هو المقصود . وقال صاحب العناية بعد أن ذكر ذلك السؤال والجواب : وفيه نظر ، فإن مالية العبد أمر اعتباري وكونها بيده كذلك ، وقبض الوكيل أمر حسي لا مرد له فكان الأمر بالعكس . والصواب أن يقال : القبض أمر حسي إذا قام بمكان [ ص: 71 ] لا يجعل في غيره إلا بالاعتبار ، وجاز ترك الاعتبار إذا اقتضاه ضرورة ، أما مالية العبد فإنها لا تنفك عن نفسه ، فإذا خرج نفسه عن ملك البائع وماليته لا تنفك سلمت إليه ، ولا حبس بعد التسليم ، إلى هنا كلامه .

أقول : في كل واحد من نظره وجوابه الذي استصوبه بحث . أما في الأول فلأن الأمر الحسي الذي لا مرد له إنما هو قبض الوكيل ، والذي عداه تاج الشريعة في جوابه أمرا اعتباريا إنما هو كونه قبض الوكيل قبض الموكل ، وأين هذا من ذاك فلم يكن الآمر بالعكس كما لا يخفى .

وأما في الثاني فلأنه إن أراد بعدم انفكاك مالية العبد عن نفسه عدم انفكاكها عنها في نفس الأمر فهو مع كونه ممنوعا في نفسه مناف لما قاله سابقا في النظر من أن مالية العبد أمر اعتباري وكونها بيده كذلك ، وإن أراد بذلك عدم انفكاكها عنها في اعتبار أهل الشرع فللسائل أن يقول لم لا يجوز أن يترك أهل الشرع هذا الاعتبار عند اقتضاء الضرورة كما في قبض الوكيل ؟ على أن حاصل هذا الجواب أيضا الفرق بين قبض الوكيل وبين مالية العبد بأن الانفكاك جائز في الأول دون الثاني ، فتعين التسليم هاهنا دون الأول ، وهذا إنما يدفع منع تحقق التسليم هاهنا ، وقد عرفت أن خلاصة السؤال المذكور منع كون التسليم هنا مسقطا لحق الحبس لا منع تحقق التسليم هاهنا ، فلا يتم ما ذكره جوابا عنه ، اللهم إلا أن يكون مراده الصواب في الفرق بين الصورتين أن يقال كما ذكره ، لا الصواب في الجواب عن أصل السؤال أن يقال كذا لكنه بعيد عن إيفاء حق المقام .

والأشبه في تقرير ذلك السؤال وتعيين الجواب عنه ما ذكره صاحب الكفاية حيث قال : فإن قيل : وقوع المالية في يد العبد ضروري لا يمكن الاحتراز عنه للمولى فكان كالوكيل له ولاية حبس المبيع عن الموكل وإن كانت يده كيد الموكل حكما ; لأنه لا يمكن الاحتراز عنه . قلنا : لا يمكن التحرز للوكيل عن هذا في جنس الوكالات ، ولكن يمكن للبائع التحرز عنه في جنس الوكالة بأن باع عبده لوكيل لا يشتري نفسه انتهى ( فإذا أضافه ) أي أضاف العبد العقد ( إلى الآمر صلح فعله امتثالا فيقع العقد للآمر ) هذا نتيجة الدليل . تقريره أن العبد يصلح وكيلا عن غيره في شراء نفسه ; لأنه مال ، وكل من صلح وكيلا عن غيره في شراء مال إذا أضاف العقد إلى الآمر صلح فعله امتثالا ، فالعبد إذا أضافه إلى الآمر صلح فعله امتثالا فيقع العقد للآمر .

ثم اعلم أن قوله في الكتاب ففعل فهو للآمر يشير إلى أن العقد يتم بقول المولى بعت ، وهو يخالف ما ذكر في الجامع من أن إضافة العقد إلى الموكل إنما تفيده الملك إذا وجد الإيجاب من المولى والقبول من العبد ، حتى لو قال العبد : بعني نفسي من فلان فقال : بعت ، لا يتم العقد حتى يقول العبد قبلت ، وهذا بناء على أن الواحد لا يتولى طرفي البيع ، بخلاف ما إذا اشترى لنفسه كما سيأتي فإنه إعتاق على مال مقدر ، والواحد يتولى طرفي الإعتاق إذا كان المال مقدرا فيتم بقول المولى بعت مسبوقا بقول العبد بعني نفسي . فإن قيل : إذا أضاف العبد العقد إلى الآمر فمن المطالب بالثمن ؟ قلنا : العبد ; لأنه العاقد ، فيجب الثمن عليه إلا أنه يرجع به على الآمر .

فإن قلت : قد يكون العبد محجورا عليه ومثله لا ترجع إليه الحقوق . قلت : زال الحجر هاهنا بالعقد الذي باشره مع مولاه ، فإن المباشرة تستدعي تصور صحة المباشرة وهو إذن [ ص: 72 ] وإن عقد لنفسه ) أي إن أضاف العقد إلى نفسه فقال بعني نفسي مني فقال المولى بعت ( فهو حر ; لأنه إعتاق ) لما تقدم ( وقد رضي به المولى ) ; لأنه علم أن بيع العبد منه إعتاق ( دون المعاوضة ) أي لم يرض بها فلا يقع العقد للآمر . ولما استشعر أن يقال العبد وكيل بشراء شيء بعينه فكيف جاز له أن يشتري لنفسه . أجاب بقوله ( والعبد وإن كان وكيلا بشراء شيء معين ولكنه أتى بجنس تصرف آخر ) وهو الإعتاق على مال فكان مخالفا ( وفي مثله ينفذ على الوكيل ) فإن الوكيل بشراء شيء بعينه إذا خالف فأتى بجنس تصرف آخر ينفذ العقد على الوكيل دون الموكل كما تقرر فيما مر ( وكذا لو قال بعني نفسي ولم يقل لفلان ) أي وكذا لو أطلق العبد العقد فقال بعني نفسي ولم يزد على ذلك ( فهو حر ; لأن المطلق يحتمل الوجهين ) يعني الامتثال وغيره ( فلا يقع امتثالا ) أي فلا يجعل امتثالا ( بالشك فيبقى التصرف واقعا لنفسه ) أي لأن الأصل في التصرف أن يقع عمن باشره .

قال صاحب العناية : وعورض بأن اللفظ حقيقة للمعاوضة كما تقدم ، وإذا تردد اللفظ بين أن يحمل على حقيقته وعلى مجازه حمل على الحقيقة ألبتة . وأجيب بأن اللفظ للحقيقة إذا لم يكن ثمة قرينة للمجاز وقد وجدت فيما نحن فيه وهي إضافة العبد العقد إلى نفسه فإن حقيقته بالنسبة إليه غير متصورة ورضي المولى بذلك ، وإليه أشار بقوله وقد رضي به المولى دون المعاوضة انتهى .

أقول : هذا الجواب مما لا يكاد يصح هاهنا ; لأن الكلام الآن إنما هو في مسألة الإطلاق عن الإضافة إلى نفسه وإلى الموكل والقرينة المذكورة إنما وجدت في مسألة الإضافة إلى نفسه ، وقول المصنف وقد رضي به دون المعاوضة إنما وقع فيها وقد تقدم ذكرها ، وليس ذلك بمورد الاعتراض ولا مساس لهذا الجواب بما نحن فيه أصلا . لا يقال : ليس المراد بالإضافة إلى نفسه التي عدت قرينة هاهنا الإضافة المارة في المسألة المتقدمة الحاصلة من قوله بعني ، بل الإضافة الحاصلة من قوله نفسي في قوله بعني نفسي ، وهذه الإضافة موجودة في مسألة الإطلاق أيضا ; لأنا نقول : هذه الإضافة لا تصلح أن تكون قرينة للمجاز ، [ ص: 73 ] إذ لا شك أن مجرد قوله بعني نفسي لا ينافي المعاوضة ، بل يحتمل أن يراد به بيع نفسه من نفسه وهو الإعتاق على مال وبيع نفسه لغيره وهو المعاوضة ، بل الثاني هو الظاهر نظرا إلى الحقيقة . وقال صاحب العناية : لا يقال فعلى هذا لا يكون قوله ; لأن المطلق يحتمل الوجهين صحيحا ; لأنا نقول : الاحتمال إنما هو من حيث إطلاق اللفظ ، وذلك لا يحتمل الإنكار والترجيح من حيث الإضافة إلى نفسه وهي خارجة عن مفهوم اللفظ انتهى .

أقول : هذا أيضا ليس بصحيح إذ لا إضافة إلى نفسه فيما نحن فيه ; لأن وضعه فيما أطلق ولم يضف إلى أحد فكيف يتصور الترجيح فيه من حيث الإضافة إلى نفسه . وأيضا إن أراد بقوله وهي خارجة عن مفهوم اللفظ أنها خارجة عن مفهوم مجموع اللفظ الصادر عن العبد في هذه الصورة وهو قوله بعني نفسي فأين توجد الإضافة إلى نفسه حتى تكون قرينة للمجاز ؟ وإن أراد بذلك أنها خارجة عن مفهوم بعض اللفظ الصادر عنه فيها ، وهو قوله بعني فقط فلا يجدي شيئا ; لأن وضع المسألة في الإطلاق مجموع ما صدر عن العبد ، إذ به تمتاز هذه الصورة عن صورتي الإضافة فلا بد من خروج قيد الإضافة عن مجموع ذلك حتى يوجد الإطلاق المفروض ويصح الاحتمال المذكور . وبالجملة لا حاصل لهذا الجواب ولا مطابقة فيه لما في الكتاب كما لا يخفى على ذوي الألباب .

والجواب الصحيح عن أصل المعاوضة ما ذكره صاحب النهاية والكفاية حيث قالا : فإن قيل ينبغي أن يقع الشراء للموكل عند الإطلاق ; لأن اللفظ لحقيقته في الأصل ، فلما تردد بين الحقيقة والمجاز ينبغي أن يحمل على الحقيقة كما هو الأصل ، وفيما نحن فيه لو وقع الشراء لموكله كان الشراء معمولا على حقيقته وهي المعاوضة ، ولو وقع للعبد كان معمولا بمجازه ; لأنه غير موضوع للإعتاق بل هو موضوع للمعاوضة . قلنا : عارضت جهة أصالة الحقيقة جهة أصالة أخرى وهي أن الأصل في تصرف الإنسان أن يقع لنفسه ثم رجحنا هذه الجهة بحسب مقصود البائع ظاهرا وهو أن لا يفوت ولاء العبد منه ، فإنه على تقدير وقوع الشراء للموكل يفوت هذا الغرض ، أو نقول : لما وقع التعارض بين الأصلين رجحنا جانب الإعتاق ; لأنه تصرف مندوب إليه ، والمعاوضة مباحة محضة انتهى .




الخدمات العلمية