الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال : ( وإذا كان الحائط لرجل عليه جذوع أو متصل ببنائه ولآخر عليه هرادي فهو لصاحب الجذوع والاتصال ، والهرادي ليست بشيء ) لأن صاحب الجذوع صاحب استعمال والآخر صاحب تعلق فصار كدابة تنازعا فيها ولأحدهما حمل عليها وللآخر كوز معلق بها ، والمراد بالاتصال مداخلة لبن جداره فيه ولبن هذا في جداره وقد يسمى اتصال تربيع ، [ ص: 285 ] وهذا شاهد ظاهر لصاحبه لأن بعض بنائه على بعض بناء هذا الحائط . [ ص: 286 ] وقوله الهرادي ليست بشيء يدل على أنه لا اعتبار للهرادي أصلا ، وكذا البواري لأن الحائط لا تبنى لها أصلا حتى لو تنازعا في حائط ولأحدهما عليه هرادي وليس للآخر عليه شيء فهو بينهما

التالي السابق


( قال ) أي محمد في الجامع الصغير في كتاب القضاء : ( وإذا كان الحائط لرجل عليه جذوع أو متصل ببنائه ) أي أو هو متصل ببنائه ( ولآخر عليه ) أي على الحائط ( هرادي ) بفتح الهاء جمع هردية بضمها . وفي المغرب : الهردية عن الليث : قصبات تضم ملوية بطاقات من الكرم يرسل عليها قضبان الكرم . وقال ابن السكيت : هو الحردي ولا تقل هردى انتهى . وفي الصحاح : الحردي من القصب نبطي معرب ولا تقل هردى انتهى . وصحح في الديوان الهاء والحاء جميعا ، وكذا القاموس .

قال في غاية البيان : الرواية في الأصل والكافي للحاكم الشهيد بالحاء وفي الجامع الصغير وشرح الكافي وقعت بالهاء لا غير انتهى

( فهو ) أي الحائط ( لصاحب الجذوع والاتصال ، والهرادي ليست بشيء لأن صاحب الجذوع صاحب استعمال ) أي هو صاحب استعمال للحائط بوضع الجذوع عليه لأن الحائط إنما يبنى للتسقيف وذا بوضع الجذوع عليه ( والآخر ) يعني صاحب الهرادي ( صاحب تعلق ) لا صاحب استعمال لأن الحائط لا يبنى لوضع الهرادي عليه والاستعمال يد ، وعند تعارض الدعويين القول قول صاحب اليد ( فصار ) أي فصار الحائط في مسألتنا هذه ( كدابة تنازعا فيها ولأحدهما عليها حمل وللآخر كوز معلق ) فإنها تكون لصاحب الحمل دون صاحب الكوز كذا هاهنا ( والمراد بالاتصال ) أي المراد بالاتصال المذكور في قوله أو متصل ببنائه ( مداخلة لبن جداره ) أي جدار صاحب البناء ( فيه ) أي في الحائط المتنازع فيه ( ولبن هذا ) أي ومداخلة لبن هذا : أي الحائط المتنازع فيه ( في جداره ) أي في جدار صاحب البناء ( وقد يسمى اتصال تربيع ) أي ويسمى اتصال مداخلة لبن اتصال تربيع ، وتفسير التربيع إذا كان الحائط من مدر أو آجر أن تكون أنصاف لبن الحائط المتنازع فيه داخلة في أنصاف لبن غير المتنازع فيه وأنصاف لبن غير المتنازع فيه داخلة [ ص: 285 ] في المتنازع فيه ، وإن كان من خشب فالتربيع أن تكون ساحة أحدهما مركبة في الأخرى ، وأما إذا ثقب فأدخل لا يكون تربيعا ، كذا في غاية البيان نقلا عن مبسوط شيخ الإسلام .

وفي النهاية وغيرها نقلا عن الذخيرة قال صدر الشريعة : وإنما سمي هذا اتصال التربيع لأنهما إنما يبنيان ليحيطا مع جدارين آخرين بمكان مربع انتهى . وكان الكرخي يقول : صفة هذا الاتصال أن يكون الحائط المتنازع فيه متصلا بحائطين لأحدهما من الجانبين جميعا والحائطان متصلان بحائط له بمقابلة الحائط المتنازع فيه حتى يصير مربعا شبه القبة فحينئذ يكون الكل في حكم شيء واحد . والمروي عن أبي يوسف أن اتصال جانبي الحائط المتنازع فيه بحائطين لأحدهما يكفي ، ولا يشترط اتصال الحائطين بحائط له بمقابلة الحائط المتنازع فيه ، وعليه أكثر مشايخنا لأن الرجحان يقع بكونه ملكا محيطا بالحائط المتنازع فيه من الجانبين وذلك يتم بالاتصال بجانبي الحائط المتنازع فيه ، كذا في شرح الكنز للإمام الزيلعي .

وفي شرح الهداية لتاج الشريعة ( وهذا ) أي اتصال التربيع ( شاهد ظاهر لصاحبه لأن بعض بنائه ) أي بعض بناء صاحبه ( وعلى بعض هذا الحائط ) أي على بعض هذا الحائط المتنازع فيه بالاتصال فصار الكل في حكم حائط واحد بهذا النوع من الاتصال ، وبعضه متفق عليه لأحدهما فيرد المختلف فيه إلى المتفق عليه ، ولأن الظاهر أنه هو الذي بناه مع حائطه فمداخلة أنصاف اللبن لا تتصور إلا عند بناء الحائطين معا فكان هو أولى ، كذا ذكره صاحب النهاية وعزاه إلى المبسوط . أقول : بقي لي هاهنا كلام ، وهو أن المصنف حمل المراد بالاتصال المذكور في مسألتنا هذه على اتصال التربيع ، وتبعه في هذا عامة ثقات المتأخرين كصاحب الكافي والإمام الزيلعي وشراح الهداية قاطبة وغيرهم ، حتى أن كثيرا من أصحاب المتون صرحوا بتقييد الاتصال هاهنا بالتربيع منهم صاحب الوقاية حيث قال : والحائط لمن جذوعه عليه أو متصل ببنائه اتصال تربيع لا لمن له عليه هرادي انتهى . ولكن لم يظهر لي وجه هذا التقييد هاهنا لأن معنى مسألتنا هذه أن صاحب الجذوع أولى من صاحب الهرادي ، وكذا صاحب الاتصال أولى من صاحب الهرادي . وفي الحكم يكون صاحب الاتصال أولى من صاحب الهرادي لا احتياج إلى تقييد الاتصال بالتربيع ، بل كل واحد من ضربي الاتصال : أعني اتصال التربيع واتصال الملازقة مشتركان في هذا الحكم فإن الهرادي مما لا اعتبار له أصلا بل هي في حكم المعدوم ، حتى لو تنازعا في حائط لأحدهما عليه هرادي وليس للآخر شيء فهو بينهما على ما سيأتي في الكتاب .

وقد ذكر في معتبرات الفتاوى أنه إذا كان لأحدهما اتصال ملازقة ولم يكن للآخر اتصال ولا جذوع فهو لصاحب الاتصال ، فقال في الذخيرة : وذكر هذا أيضا في النهاية نقلا عن الذخيرة . أما إذا كان الحائط المتنازع فيه متصلا ببنائهما إن كان اتصالهما اتصال تربيع أو اتصال ملازقة فإنه يقضي بينهما نصفين لأنهما استويا في الدعوى والاتصال ، وأما إذا كان اتصال أحدهما اتصال تربيع واتصال الآخر اتصال ملازقة فصاحب التربيع أولى ; لأن صاحب التربيع مستعمل للحائط المتنازع فيه ; لأن قوام حائطه بقدر التربيع بالحائط المتنازع فيه لما ذكرنا من تفسير التربيع ، فكان لصاحب التربيع على ذلك التفسير مع الاتصال نوع الاستعمال ، وللآخر مجرد اتصال من غير استعمال فيكون الاتصال مع الاستعمال أولى فكان بمنزلة الراكب على الدابة والمتعلق باللجام ، ولو كان لأحدهما اتصال ببناء اتصال ملازقة أو اتصال تربيع وليس للآخر اتصال ولا له عليه جذوع فإنه يقضي لصاحب الاتصال لأنهما استويا في حق الاتصال بالأرض المملوكة ولأحدهما زيادة الاتصال من خلاف الجنس الأول وهو الاتصال بالبناء فيترجح على الآخر انتهى .

وقال في البدائع : ولو كان الحائط متصلا ببناء إحدى الدارين اتصال التزاق وارتباط فهو لصاحب الاتصال لأنه كالمتعلق به ، ولو كان لأحدهما اتصال التزاق وللآخر جذوع فصاحب الجذوع أولى لأنه مستعمل للحائط ولا استعمال من صاحب الاتصال ، ولو كان لأحدهما اتصال التزاق وارتباط وللآخر اتصال تربيع فصاحب التربيع أولى ; لأن اتصال التربيع أقوى من اتصال الالتزاق ، ولو كان [ ص: 286 ] لأحدهما اتصال تربيع وللآخر الجذوع فالحائط لصاحب التربيع ولصاحب الجذوع حق وضع الجذوع انتهى .

فتلخص من هذا كله أن فائدة تقييد الاتصال بالتربيع إنما تظهر لو كان للآخر اتصال ملازقة كما ذكر في الذخيرة ، أو كان للآخر جذوع كما ذكر في البدائع ، وأما إذا كان للآخر هرادي كما فيما نحن فيه فلا فائدة في ذلك التقييد بل فيه إخلال بعموم جواب المسألة كما تبين مما ذكرناه فتنبه ، فإن كشف القناع عن وجه هذا المقام مما تفردت به بعون الملك العلام ( وقوله الهرادي ليست بشيء ) أي قول محمد في الجامع الصغير الهرادي ليست بشيء ( يدل على أنه لا اعتبار للهرادي أصلا ) بل هي في الحكم المعدوم ( وكذا البواري لأن الحائط لا يبنى لها أصلا ) أي لأن الحائط لا يبنى لأجل الهرادي والبواري ; لأنه إنما يبنى للتسقيف وذلك بوضع الجذوع عليه لا بوضع الهرادي والبواري ، وإنما توضع الهرادي والبواري للاستظلال والحائط لا يبنى له ( حتى لو تنازعا في حائط ولأحدهما عليه الهرادي وليس للآخر شيء فهو بينهما ) معناه : إذا عرف كونه في أيديهما قضي بينهما قضاء ترك ، وإن لم يعرف كونه في أيديهما وقد ادعى كل واحد منها أنه ملكه وفي يديه يجعل في أيديهما لأنه لا منازع لهما لا أنه يقضي بينهما كذا في العناية وكذا في النهاية نقلا عن الذخيرة .

ويعرف الفرق بين قضاء الترك والجعل في اليد بلا قضاء كما نبهنا عليه فيما مر فلا تغفل عنه




الخدمات العلمية