الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 144 ] قال ( وإذا وكل المكاتب ثم عجز أو المأذون له ثم حجر عليه أو الشريكان فافترقا ، فهذه الوجوه تبطل الوكالة على الوكيل ، علم أو لم يعلم ) لما ذكرنا أن بقاء الوكالة يعتمد قيام الأمر وقد بطل بالحجر والعجز والافتراق [ ص: 145 ] ولا فرق بين العلم وعدمه لأن هذا عزل حكمي فلا يتوقف على العلم [ ص: 146 ] كالوكيل بالبيع إذا باعه الموكل .

التالي السابق


( قال ) أي القدوري في مختصره ( وإذا وكل المكاتب ثم عجز ) أي عجز عن أداء بدل الكتابة فعاد إلى الرق ( أو المأذون له ) أي أو وكل العبد المأذون له ( ثم حجر عليه ) أي على المأذون له وكان التوكيل في هاتين الصورتين بالعقود أو الخصومات ( أو الشريكان ) أي أو وكل أحد الشريكين ثالثا بشيء مما لم يله بنفسه ( فافترقا ) أي فافترق الشريكان بعد التوكيل ( فهذه الوجوه ) أي العجز والحجر والافتراق ( تبطل الوكالة على الوكيل علم ) . أي علم الوكيل بذلك ( أو لم يعلم لما ذكرنا أن بقاء الوكالة يعتمد قيام الأمر وقد بطل ) أي قيام الأمر ( بالحجر ) في المأذون له ( والعجز ) في المكاتب ( والافتراق ) في الشريكين ، وأما إذا كان توكيل المكاتب أو العبد المأذون له بقضاء الدين أو التقاضي فلا يبطل ذلك التوكيل بعجز المكاتب ولا بالحجر على المأذون له ; لأن في كل شيء وليه العبد لا تسقط المطالبة عنه بالحجر عليه بل يبقى هو مطالبا بإيفائه ، وله ولاية مطالبة استيفاء ما وجب له لأن وجوبه كان بعقده ، فإذا بقي حقه بقي وكيله على الوكالة كما لو وكله ابتداء بعد العجز أو الحجر بعد انعقاد العقد بمباشرة ، وكذا إذا وكل أحد المتفاوضين وكيلا بشيء هو وليه ثم افترقا واقتسما وأشهدا أنه لا شركة بينهما ثم أمضى الوكيل ما وكل به وهو يعلم أو لا يعلم جاز ذلك عليهما ; لأن توكيل أحدهما في حال بقاء عقد المفاوضة كتوكيلهما فصار وكيلا من جهتهما جميعا فلا ينعزل بنقضهما الشركة بينهما ، كذا في المبسوط .

قال صاحب العناية بعد نقل هذا عن المبسوط : ولقائل أن يقول : هذا لا يفصل بين ما وليه وبين ما لم يله ، فما الفارق ؟ والجواب أن أحد المتفاوضين إذا وكل فيما وليه كان لتوكيله جهتان : جهة مباشرته ، وجهة كونه شريكا ، فإن بطلت جهة كونه شريكا بفسخ الشركة لم تبطل الأخرى وهي مستندة إلى حال المفاوضة ، وتوكيل أحدهما فيها كتوكيلهما فتبقى في حقهما ، وإذا وكل فيما لم يله كان لتوكيله جهة كونه شريكا لا غير قد بطلت بفسخ الشركة فتبطل في حقهما جميعا إلى هنا كلامه . واعلم أنه إذا وكل أحد شريكي العنان وكيلا ببيع شيء من شركتهما جاز عليه وعلى صاحبه استحسانا ، وكان القياس أن لا يجوز لأن كل واحد من الشريكين وكيل من جهة صاحبه في التصرف ، وليس للوكيل أن يوكل غيره إذا لم يأمره الموكل بذلك .

وجه الاستحسان أن كلا من الشريكين في حق صاحبه بمنزلة وكيل فوض الأمر إليه على العموم ، لأن مقصودهما تحصيل الربح وذلك قد لا يحصل بتصرف [ ص: 145 ] واحد فصار مأذونا من جهة صاحبه بالتوكيل .

قال صاحب غاية البيان : قال الشيخ أبو نصر البغدادي : وهذا الذي ذكره القدوري جميعه جار على الأصل إلا في الشريكين . وفيما ذكره صاحب الكتاب نظر . إلى هنا لفظه ، يعني أن أحد شريكي العنان أو المفاوضة إذا وكل وكيلا ثم افترقا بطلت الوكالة على ما ذكره القدوري ، ولكن ذلك خلاف الرواية الأخرى ; ألا يرى إلى ما قال محمد في الأصل : وإذا وكل أحد المتفاوضين وكيلا بشيء مما ذكرت لك وهو الذي ولي ذلك ثم افترقا واقتسما وأشهدا أنه لا شركة بينهما ثم إن الوكيل أمضى الذي كان وكل به وهو يعلم أو لا يعلم فإنه يجوز ذلك كله عليهما جميعا .

وكذلك لو كانا وكلاه جميعا لأن وكالة أحدهما جائزة على الآخر ، وليس تفرقهما ينقض الوكالة ، إلى هنا لفظ محمد في باب وكالة أحد المتفاوضين . ثم قال صاحب الغاية : والعجب من صاحب الهداية أنه أبهم الأمر ولم يتعرض لكلام القدوري ، والغالب على ظني أن القدوري أراد بذلك الوكالة الثانية في عقد الشركة لا الوكالة الابتدائية القصدية ; لأن المتضمن وهو عقد الشركة إذا بطل بطل ما في ضمنه لا محالة ، وإلا يلزم أن يكون قوله مخالفا للرواية لا محالة انتهى ، أقول : إن قوله وإلا يلزم أن يكون قوله مخالفا للرواية لا محالة ليس بتام لا محالة ، إذ على تقدير أن يكون مراده الوكالة الابتدائية كما هو المتبادر من كلامه لا يكون مخالفا للرواية المذكورة بحمله على التوكيل بشيء لم يله الموكل بنفسه كما فصلناه من قبل . وفي الرواية المذكورة أيضا إشارة إلى ذلك ، فإن قول محمد في الأصل : إذا وكل أحد المتفاوضين وكيلا بشيء مما ذكرت لك وهو الذي ولي ذلك احتراز عن التوكيل بشيء لم يله الموكل بنفسه كما لا يخفى . لا يقال : مراد صاحب الغاية وإلا يلزم أن يكون ظاهر إطلاق قوله مخالفا للرواية فلا ينافيه التطبيق بتقييد وتأويله .

لأنا نقول : هذا المعنى مشترك الالتزام ، فلا وجه لذلك القول بعد أن قيده أيضا ، وأوله بتأويل بعيد كما ترى ( ولا فرق بين العلم وعدمه ) أي لا فرق في الوجوه المذكورة بين علم الوكيل بسبب بطلان الوكالة وعدم علمه بذلك ( لأن هذا عزل حكمي ) أي عزل عن طريق الحكم ( فلا يتوقف على العلم ) إذ العلم شرط للعزل القصدي [ ص: 146 ] دون العزل الحكمي ( كالوكيل بالبيع إذا باعه الموكل ) أي إذا باع ما وكل ببيعه الموكل حيث يصير الوكيل معزولا حكما لفوات محل تصرف الوكيل




الخدمات العلمية