الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
. قال ( وإن وكله بعيب في جارية فادعى البائع رضا المشتري لم يرد عليه حتى يحلف المشتري ) بخلاف مسألة الدين لأن التدارك ممكن هنالك باسترداد ما قبضه الوكيل إذا ظهر الخطأ عند نكوله ، وهاهنا غير ممكن لأن القضاء بالفسخ ماض على الصحة وإن ظهر الخطأ عند أبي حنيفة رحمه الله كما هو مذهبه ، ولا يستحلف المشتري عنده بعد ذلك لأنه لا يفيد [ ص: 134 ] وأما عندهما قالوا : يجب أن يتحد الجواب على هذا في الفصلين ولا يؤخر ، لأن التدارك ممكن عندهما لبطلان القضاء [ ص: 135 ] وقيل الأصح عند أبي يوسف رحمه الله أن يؤخر في الفصلين لأنه يعتبر حتى النظر حتى يستحلف المشتري لو كان حاضرا من غير دعوى البائع فينتظر للنظر .

التالي السابق


( قال ) أي محمد في بيوع الجامع الصغير ( وإن وكله بعيب في جارية ) أي إن وكله برد جارية بسبب عيب ( فادعى البائع رضا المشترى ) أي رضاه بالعيب ( لم يرد عليه ) أي لم يرد الوكيل على البائع ( حتى يحلف المشتري ) يعني لا يقضي القاضي بالرد عليه حتى يحضر المشتري ويحلف على أنه لم يرض بالعيب ( بخلاف ما مر من مسألة الدين ) حيث يؤمر الغريم بدفع الدين إلى الوكيل قبل تحليف رب الدين . قال جماعة من الشراح حيث يؤمر بدفع الدين إلى الوكيل بدون تحليف الوكيل . أقول : ليس هذا بمعنى المقام قطعا ، إذ لا مدخل لعدم تحليف الوكيل في الفرق بين المسألتين ، فإن الوكيل لا يحلف في شيء منهما أصلا . ثم اعلم أنه ذكر في المبسوط الفرق بين مسألة الدين ومسألة العيب من وجهين : أحدهما أن في الدين حق الطالب ثابت بيقين ، إذ ليس في دعوى الاستيفاء والإبراء ما ينافي ثبوت أصل حقه ، لكنه يدعي الاستيفاء بعد تقرر السبب الموجب فلا يمتنع على الوكيل الاستيفاء ما لم يثبت المسقط .

وأما في العيب فإن علم المشتري بالعيب وقت العقد يمنع ثبوت حقه في الرد أصلا ، فالبائع لا يدعي مسقطا بل يزعم أن حقه في الرد لم يثبت أصلا ، فلا بد من أن يحضر الموكل ويحلف ليتمكن من الرد عليه . والثاني أن الرد بالعيب بقضاء القاضي فسخ للعقد ، والعقد إذا انفسخ لا يعود ، فلو أثبتنا له حق الرد تضرر به الخصم في انفساخ عقده عليه ، وأما قضاء الدين فليس فيه فسخ عقده ، فإذا حضر الموكل فأبى أن يحلف يتوصل المطلوب إلى قضاء حقه فلهذا أمر بقضاء الدين ، وهذا الوجه الثاني من الفرق هو الذي أرادهالمصنف بقوله ( لأن التدارك ممكن هنالك ) أي في مسألة الدين ( باسترداد ما قبضه الوكيل إذا ظهر الخطأ عند نكوله ) أي نكول الموكل عن اليمين ، إذ القضاء لم ينفذ باطنا لأنه ما قضى إلا بمجرد التسليم فكان كالقضاء بالأملاك المرسلة ، كذا في الكافي والكفاية ( وهاهنا ) أي في مسألة الرد بالعيب ، وفي بعض النسخ : وفي الثانية أي وفي المسألة الثانية وهي مسألة الرد بالعيب ( غير ممكن ) أي التدارك غير ممكن ( لأن القضاء بالفسخ ماض على الصحة ) وإن ظهر الخطأ عند أبي حنيفة كما هو مذهبه لأن القضاء في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا عنده كما مر في كتاب القضاء ، وفي كتاب النكاح أيضا ( ولا يستحلف المشتري عنده بعد ذلك ) أي بعد أن مضى القضاء بالفسخ على الصحة ( لأنه ) أي لأن الاستحلاف ( لا يفيد ) فإنه لما مضى الفسخ ولا يرد بالنكول [ ص: 134 ] لم يبق في الاستحلاف فائدة قطعا ، قال صاحب معراج الدراية في تفسير قول المصنف بعد ذلك : أي بعد نكول الموكل ، وتبعه الشارح العيني : أقول : هذا تفسير فاسد ، إذ يصير معنى المقام حينئذ ولا يستحلف المشتري عنده بعد نكول المشتري ، وهذا من قبيل اللغو من الكلام كما لا يخفى على الفطن .

وفي الذخيرة : وإن لم يكن للبائع بينة على رضا الآمر بالعيب ورد الوكيل الجارية على البائع بالعيب ثم حضر الآمر وادعى الرضا وأراد أخذ الجارية فأبى البائع أن يدفعها وقال نقض القاضي البيع فلا سبيل لك ، فإن القاضي لا يلتفت إلى قول البائع ويرد الجارية على الآمر ; لأن الآمر مع البائع تصادقا على أن الجارية ملك الآمر لأن البائع ادعى رضا الآمر بالعيب ولزوم الجارية إياه وصدقه الآمر في ذلك فاستند التصديق إلى وقت الإقرار ، ويثبت بهذا التصادق أن القاضي أخطأ في قضائه بالرد وأن قضاءه بالرد نفذ ظاهرا لا باطنا فبقيت الجارية على حكم ملك الآمر في الباطن فكان للآمر أن يأخذها . بعض مشايخنا قالوا : هذا على قول محمد ، وأما على قول أبي حنيفة لا سبيل للآمر على الجارية ، وبعضهم قالوا : هذا قول الكل وهو الأصح .

ووجهه أن نقض القاضي هاهنا البيع لم يكن بناء على دليل موجب للنقض ، وإنما كان لجهله بالدليل المسقط للرد وهو رضا الآمر بالعيب ثم ظهر الدليل بخلافه ، وفي مثل هذا لا ينفذ القضاء باطنا كما لو قضى في حادثة باجتهاده وثمة نص بخلافه انتهى . وهكذا ذكر في المبسوط وشروح الجامع الصغير أيضا ، ونقل في النهاية ومعراج الدراية عن تلك الكتب ، ثم إن صاحب العناية ذكر ذلك هاهنا على وجه الاعتراض والجواب حيث قال : واعترض بأن الوكيل إذ ردها على البائع بالعيب ثم حضر المشتري وادعى الرضا بالعيب واسترد الجارية وقال البائع لا سبيل لك عليها لأن القاضي نقض البيع فإنه لا يلتفت إلى قول البائع ، ولو كان القضاء ماضيا على الصحة لم ترد الجارية على المشترى . وأجيب بأن الرد مذهب محمد ، فأما على قول أبي حنيفة فلا سبيل للآمر على الجارية . سلمنا أن هذا قول الكل ، لكن النقض هاهنا لم يوجبه دليل ، وإنما كان للجهل بالدليل المسقط للرد وهو رضا الآمر بالعيب ثم ظهر الدليل بخلافه بتصادقهما في الآخرة على وجود الرضا من المشتري ، وفي مثله لا ينفذ القضاء باطنا كما لو قضى باجتهاده في حادثة وثمة نص بخلافه ، قالوا : هذا أصح انتهى كلامه .

أقول : فيه بحث ، لأن ما ذكره في الجواب بعد التسليم لا يدفع الاعتراض بل يقويه لأنه إذا جاز نقض القضاء هاهنا عند أبي حنيفة أيضا بأي سبب كان تعين أن القضاء بالفسخ هاهنا لم يكن ماضيا على الصحة عنده أيضا فلا يتم الدليل المذكور للفرق بين المسألتين فتأمل ( وأما عندهما ) أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ( قالوا ) أي المشايخ ( يجب أن يتحد الجواب على هذا ) أي على الأصل المذكور ( في الفصلين ) أي في فصل الدين وفي فصل الرد بالعيب ( ولا يؤخر ) أي لا يؤخر القضاء بالرد إلى تحليف المشتري كما لا يؤخر القضاء بدفع الدين إلى تحليف رب الدين ( لأن التدارك ممكن ) أي في الفصلين معا ( عندهما لبطلان القضاء ) يعني أن عدم التأخير إلى تحليف رب الدين في فصل الدين إنما كان لأن التدارك ممكن عند ظهور الخطإ في القضاء باسترداد ما قبضه الوكيل [ ص: 135 ] وهذا المعنى موجود في فصل الرد بالعيب أيضا لأن قضاء القاضي في مثل ذلك عندهما إنما ينفذ ظاهرا لا باطنا ، فإذا ظهر خطأ القضاء عند نكول المشتري ردت الجارية عليه فلا يؤخر إلى التحليف ( وقيل الأصح عند أبي يوسف أن يؤخر ) أي القضاء ( في الفصلين لأنه ) أي لأن أبا يوسف ( يعتبر النظر ) أي النظر للبائع ، كذا في الشروح .

أقول : الأولى أن يقال : أي النظر للخصم ليكون أنسب بالتعميم للفصلين كما سينكشف لك ( حتى يستحلف ) أي أبو يوسف ( المشتري لو كان حاضرا من غير دعوى البائع ) يعني أن من مذهب أبي يوسف أن القاضي لا يرد المبيع على البائع إذا كان المشتري حاضرا وأراد الرد ما لم يستحلف بالله ما رضيت بهذا العيب وإن لم يدع البائع ، فإذا كان المشتري أو رب الدين غائبا فأولى أن لا يرد عليه ما لم يستحلف صيانة لقضائه عن البطلان ونظرا للبائع والمديون ( فينتظر للنظر ) أي فينتظر في الفصلين نظرا للبائع والمديون . قال في النهاية فينتظر للنظر : أي للبائع ، فعلى هذا ينبغي أن ينتظر في الدين نظرا للغريم انتهى .

وقال في غاية البيان : فعلى هذا ينتظر عنده في الدين أيضا نظرا للغريم ، وهذا معنى قوله فينتظر للنظر انتهى . وقال في العناية : لأنه يعتبر النظر للبائع حتى يستحلف المشتري إن كان حاضرا من غير دعوى البائع فينتظر للنظر له إن كان غائبا انتهى أقول : لا يخفى ما في كل واحد منها من تخصيص معنى نفس الكلام بصورة من الفصلين من غير ضرورة داعية إليه ، فالوجه ما قررناه فتبصر




الخدمات العلمية