الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 248 ] ولم يقبض من نفسه ; [ ص: 249 - 250 ] إلا كوصي ليتيميه .

.

التالي السابق


( ولم يقبض ) من أراد بيع طعام المعاوضة أي لا يعتبر قبضه ( من نفسه ) لنفسه في جواز بيع طعام المعاوضة ، فمن وكل على شراء طعام فاشتراه وصار بيده أو على بيعه وقبضه من موكله ليبيعه ثم اشتراه من موكله في الصورتين فلا يجوز له بيعه فيهما مكتفيا بقبضه من نفسه لنفسه لأنه كلا قبض ، على هذا حمل ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب والمواق كلام خليل الناصر وهو المتعين ولم يذكر غيرهما شراء الوكيل الطعام من موكله وقال : فلا يجوز له في الصورتين بيعه لنفسه ولو أذن له موكله ولا أخذه في دين له على موكله ولو بإذنه لأنه في كلا وجهي بيعه لنفسه ، وقبضه في دينه يقبض من نفسه لنفسه وليس ممن يتولى الطرفين فقبضه كلا قبض ، فهذه أربع صور ممتنعة ثنتان في وكيل البيع ، وثنتان في وكيل الشراء [ ص: 249 ] فإن قلت قد جعل علة المنع فيها قبضه من نفسه لنفسه وليس ممن يتولى الطرفين ، ولم يجعل علته بيع الطعام قبل قبضه الذي الكلام فيه قلت هي آيلة إليها لأن قبضه من نفسه لها ضعيف فهو كلا قبض ، فقد وجد في الطعام عقدتا بيع لم يتخللهما قبض ، وبحث فيه بعدم وجودهما في توكيله على بيعه ، فيحمل على أن الموكل وكله على بيع طعام اشتراه ولم يقبضه وقبضه الوكيل ثم اشتراه لنفسه أفاده عب البناني .

قوله ولم يقبض من نفسه نحوه لابن الحاجب ، وفسره المصنف بتفسيرين أحدهما ما تقدم واستدل له بقولها وإن أعطاك بعد الأجل عينا أو عرضا ، وقال لك : اشتر به طعاما وكله ثم اقبض حقك لم يجز لأنه بيع الطعام قبل قبضه ، إلا أن يكون رأس المال ذهبا أو ورقا فيجوز بمعنى الإقالة . ا هـ . وقد اعتمد الشارح هذا التفسير وتبعه تت ، وهو غير صحيح ، وليس في شيء من صوره بيع قبل القبض أما ما وكل على شرائه فباعه لنفسه فقد قبضه الوكيل قبل بيعه لنفسه ويده كيد موكله ، وأما ما وكل على بيعه فباعه لنفسه فليس فيه بيع أصلا ، وقد علل المنع في ضيح بكونه يقبض من نفسه لنفسه وليس أبا ولا وصيا طفي هذا لم يقله أحد فيما علمت ، وكتب المالكية مصرحة بجوازه مع الإذن ومنعه مع عدمه كما يأتي في الوكالة ، ولا دليل له في كلامها لوجود علة المنع في بيع الطعام قبل قبضه فيه لأن من له دين الطعام إذا وكله مدينه على شرائه وقبضه لنفسه يتهم على عدم الشراء ، وإمساك الثمن لنفسه فيكون قد باع به الدين قبل قبضه فليست علة المنع فيها هي القبض لنفسه ، بل اتهامه على بيعه ما في ذمة موكله من الطعام قبل قبضه ويحتمل على بعد حمل كلام ابن الحاجب والمصنف على مسألة المدونة المذكورة ، ويكون معناه أنه لا يجوز له أخذ ثمن من المسلم إليه ليشتري به طعاما ويقبضه من نفسه .

وأما التفسير الثاني الذي في ضيح عن ابن عبد السلام فهو أن من كان عنده طعام وديعة وشبهها فاشتراه من مالكه فلا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء لأنه ليس قبضا تاما ، إذ لو أراد ربه إزالته من يده كان له ذلك إلا أن يكون قبضا قويا كقبض [ ص: 250 ] الولد لولديه الصغيرين ، فإذا باعه من أحدهما إلى الآخر متوليا البيع والشراء كان له بعد ذلك بيعه على من اشتراه له قبل قبضه قبضا ثانيا حسيا ، وكذا الوصي في محجوريه ، والأب فيما بينه وبين ابنه الصغير ، وفي النفس شيء من جواز هذه المسألة سيما والصحيح عند أهل المذهب أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه تعبدي ، فإن لم يكن فيها اتفاق فأصول المذهب تدل على جريان الخلاف فيها ، والأقرب منعها والله أعلم ورد ابن عرفة قوله والأقرب منعها بأن ما ذكره ابن الحاجب وابن شاس هو ظاهر سلمها الثالث ، وذكر الناصر أن تفسير ابن عبد السلام هو المتعين ، وعليه حمل " ق " كلام المصنف ( إلا ) أن يكون القابض من نفسه ممن يتولى الإيجاب والقبول معا ( ك ) شخص ( وصي ) يتصرف ( ليتيميه ) المحجورين له بإيصائه عليهما من أبويهما ووالد لولديه الصغيرين وسيد لرقيه فإذا باع طعام أحدهما للآخر جاز له بيعه لأجنبي قبل قبضه لمن اشتراه له قبضا حسيا .




الخدمات العلمية