الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإقالة من الجميع ، [ ص: 252 ]

[ ص: 253 ] وإن تغير سوق شيك لا بدنه : كسمن دابة ، وهزالها ، بخلاف الأمة ، ومثل مثليك ، إلا العين ، .

[ ص: 254 ] وله دفع مثلها ، وإن كانت بيده والإقالة بيع إلا في الطعام والشفعة . [ ص: 255 ] والمرابحة ، وتولية وشركة

، إن لم يكن على أن ينقد عنك ، .

[ ص: 256 ] واستوى عقداهما فيهما ، وإلا فبيع كغيره .

التالي السابق


( و ) جاز لمن اشترى طعاما على وجه السلم أو البيع ( إقالة ) لبائعه ( من الجميع ) أي جميع المبيع قبل قبضه بتركه لبائعه بثمنه وصفة عقده لأنه حل للبيع واحترز بقوله من الجميع من الإقالة من بعضه قبل قبضه فلا تجوز ونحوه لابن جماعة القباب [ ص: 252 ] الشرط الثاني : كونها على جميع الطعام ولا يختص هذا الشرط به ، بل هو في الإقالة من كل مسلم فيه ففي سلمها الثالث : ومن أسلم إلى رجل دراهم في طعام أو عرض أو باقي الأشياء فأقاله بعد الأجل أو قبله من بعضه ، وأخذ بعضه فلا تجوز ، ودخله فضة نقدا بفضة وعرض إلى أجل وبيع وسلف مع ما في الطعام من بيعه قبل قبضه . ا هـ . لكن إنما تمنع الإقالة من بعض الطعام إذا كان رأس المال لا يعرف بعينه وغاب عليه المسلم إليه وإلا جازت ، ففي سلمها الثاني وإذا كان رأس المال عينا أو طعاما أو ما لا يعرف بعينه وقبضه البائع وغاب عليه فلا يجوز أن تأخذ بعد الأجل أو قبله نصف رأس المال ونصف ثمنك لأنه بيع وسلف ما ارتجعت من الثمن فهو سلف ، وما أمضيت فهو بيع ، وإن لم تفترقا جاز أن تقيله من بعض وتترك بقية السلم إلى أجله ا هـ ابن يونس وكان البيع إنما وقع على ما بقي ، ثم قال فيها : فأما بعد التفرق فلا تأخذ إلا ما أسلفت فيه أو رأس مالك ، ثم قال فيها : وإن كان رأس المال عروضا تعرف بأعيانها أسلمتها في خلافها من عروض أو حيوان أو طعام وأقلته من نصف ما أسلفت فيه على أن تأخذ نصف رأس مالك بعينه بعد افتراقكما أو قبله جاز على العقد الأول .

( تنبيهات ) الأول : ابن عرفة الإقالة ترك المبيع لبائعه بثمنه وأكثر استعمالها قبل قبض المبيع ، وهي رخصة وعزيمة الأولى فيما يمتنع بيعه قبل قبضه ، وشرطها عدم تغير الثمن بما تختلف فيه الأغراض غالبا فيها لا تجوز بغير الثمن ولا عليه وأخذ غيره ولا به مع زيادة عليه ، ولا مع تأخيره ولو ساعة ولو برهن أو حميل أو حوالة . الثاني : يشترط في الإقالة من الطعام قبل قبضه أن لا يقارنها بيع قاله ابن يونس وتعجيل الثمن . الثالث : في القباب جواز الإقالة من بعض الطعام بعد قبضه وهو ظاهر ، وإذا جازت فيه جازت في غيره بالأحرى .

وتجوز الإقالة من الجميع على رد رأس المال إن لم يتغير [ ص: 253 ] سوقه ، بل ( وإن تغير سوق ) أي قيمة ( شيئك ) يا مشتري الذي دفعته ثمنا للطعام بزيادة أو نقص لأن المعتبر عينه وهي باقية ( لا ) تجوز الإقالة من الجميع قبل القبض إن تغير ( بدنه ) أي شيئك ( كسمن ) بكسر السين وفتح الميم ( دابة ) مجعولة ثمنا للطعام ( وهزالها ) أي الدابة فلا تجوز الإقالة من جميع الطعام قبل قبضه بعد تغيرها بأحدهما لأنه حينئذ بيع مؤتنف لتغير الثمن في ذاته ، فيلزم بيع الطعام قبل قبضه ( بخلاف ) سمن وهزال ( الأمة ) المجعولة ثمنا للطعام وأولى العبد فلا يمنع من الإقالة من جميع الطعام قبل قبضه ، وفرق بأن الدابة يقصد لحمها وشحمها بخلاف الرقيق وقال ابن عرفة : الأظهر أن رقيق الخدمة كالدابة ، وقال يحيى : الرقيق والدابة سواء في المنع وصوبه ابن يونس ، ومفهوم سمن وهزال أن تغير الرقيق بعور أو قطع عضو أو ولادة الأمة مانع منها وهو كذلك .

فإن مات ولدها وصحت من نفاسها جازت الإقالة بها ( و ) من ابتاع طعاما بمثلي ثم أراد البائع الإقالة منه قبل قبضه على رد مثل المثلي فلا تجوز الإقالة من جميع الطعام قبل قبضه المبيع بثمن مثلي على أن يرد عليك البائع ( مثل مثليك ) يا مشتري الذي دفعته ثمنا الحط هذا في السلم ، وأما في البيع فتجوز الإقالة على مثل المثلي قاله في أواخر السلم الثاني من المدونة ، ونصها وكلما ابتعت مما يوزن أو يكال من طعام أو عرض فقبضته فأتلفته فجائز أن تقيله منه وترد مثله بعد علم البائع بهلاكه ، وبعد كون المثل حاضرا عندك وتدفعه إليه بموضع قبضه منه وإن حالت الأسواق ا هـ البناني فيه نظر فلا فرق بين البيع والسلم وكلامها لا دليل فيه لأن الإقالة فيه بعد القبض ، وكلامنا في الإقالة من الطعام قبل قبضه ، وأيضا المردود مثله في كلامها هو الثمن ، وفي مسألتنا الثمن ا هـ وفي شرح شب الظاهر أنه لا فرق بين السلم والبيع واستثنى من الثمن المثلي فقال : ( إلا العين ) أي الدنانير والدراهم فتجوز الإقالة من [ ص: 254 ] الطعام قبل قبضه على رد مثلها ( فله ) أي البائع ( دفع مثلها ) أي العين إن لم تكن بيده .

بل ( وإن كانت ) العين ( بيده ) أي البائع ولو شرط المشتري ردها بعينها لأنها لا تراد لعينها إذا لم يكن البائع من ذوي الشبهات لتعين الدنانير والدراهم بالنسبة له لعدم البركة فيما اكتسبه ( والإقالة ) أي رد المبيع لبائعه بثمنه ( بيع ) فيشترط فيها شروطه وتمنعها موانعه ، وإن حدث بالمبيع عيب وقت ضمان المشتري ولم يعلم به البائع إلا بعدها فله رده به ( إلا ) الإقالة ( في الطعام ) قبل قبضه فليس لها حكمه إن وقعت بمثل الثمن الأول فإن وقعت بزيادة أو نقص عنه فبيع مؤتنف ( و ) إلا الإقالة في ( الشفعة ) أي الأخذ بها فليست بيعا مطلقا ولا حلا مطلقا ، وإنما هي بيع في الجملة ، وحل في الجملة لأنها لو كانت بيعا مطلقا لخير الشفيع في الأخذ بالبيع الأول أو الثاني ، ويكتب عهدته على من أخذ ببيعه مع أنه إنما يأخذ بالبيع الأول ، ولو كانت حلا مطلقا لسقطت بها الشفعة فهي بيع في الجملة لثبوت الشفعة ، وحل في الجملة لتعين الأخذ بالأول ولم تكن حلا حقيقيا مسقطا للشفعة لاتهامهما على التحيل على إسقاط الشفعة بها قاله عج وقال " د " : ظاهر المصنف أنها حين الأخذ بالشفعة صحيحة ، ولكن لا تعد بيعا وليس كذلك ، بل هي حينئذ باطلة لا عبرة بها . ا هـ . ونحوه قول تت فمن ابتاع شخصا له شفيع ثم أقاله منه فالشفعة للشفيع وتبطل الإقالة الحط .

اختلف في الإقالة هل هي حل بيع أو بيع مبتدأ والمشهور أنها بيع إلا في الطعام ، فليست بيعا وإنما هي حل للبيع السابق ، ولذا جازت فيه قبل قبضه وإلا في الشفعة ، فمن باع حصة من عقار مشترك فلشريكه الشفعة ، ولو تعدد البيع فله الخيار في أخذه بأي بيع شاء وعهدته على المشتري الذي يأخذ منه ، فلو أقال المشتري البائع الأول فلا تسقط الشفعة ، واختلف قول مالك رضي الله تعالى عنه في العهدة فمذهب المدونة أنه لا خيار له ، وعهدته على المشتري وبه أخذ محمد وابن اللبيب ، وقال مرة : يخير ، فإن شاء جعلها على المشتري ، وإن [ ص: 255 ] شاء جعلها على البائع ، وسواء كان المستقبل هو المشتري أو البائع ، واستشكل الأول بأنها إما حل فتسقط الشفعة ، أو بيع فيخير كتعدد البيع فلا وجه لحصر العهدة في المشتري . وأجيب باختيار الأول وثبتت الشفعة وتعينت على المشتري لاتهامهما بالتحيل على إسقاطها فمعنى الأول أنها ملغاة فلا يلتفت إليها ولا يحكم بأنها حل ولا بيع والله أعلم ( و ) إلا الإقالة بالنسبة إلى ( المرابحة ) فليست بيعا ، فإن اشترى شيئا بعشرة وباعه بخمسة عشر ثم تقايلا فلا يبعه بالمرابحة على خمسة عشر إلا ببيان الإقالة ، ويبيعه بها على عشرة مع بيان الإقالة أيضا لكراهة النفوس المقال منه استظهره " د " وأما إن باعها ثم اشتراها فله بيعها بالمرابحة على الثمن الذي اشتراها به بلا بيان ، وكذا لو كانت الإقالة بزيادة أو نقص في الثمن والله أعلم .

قاله الحط ابن عرفة الإقالة في المرابحة بيع ووجب التبيين لكراهتها المبتاع الحط في كلام بعضهم أن الإقالة لا تكون إلا بلفظها ومرادهم والله أعلم الإقالة من الطعام قبل قبضه ، وأما الإقالة من غيره فبيع ينعقد بما يدل على الرضا يظهر هذا بكلام المدونة والشيوخ ، وساقها فانظره ، وزاد في تكميل التقييد على الثلاث المثناة من كون الإقالة من أمة تتواضع ( و ) جاز ( تولية ) في الطعام قبل قبضه أي تركه لغير بائعه بثمنه ( و ) جاز ( شركة ) في الطعام قبل قبضه أي جعل جزء منه بحصته من ثمنه لغير بائعه لأنهما من المعروف ولخبر أبي داود وغيره { من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة وتولية وإقالة } ، ومحل الجواز في الشركة ( إن لم يكن ) عقد الشركة في الطعام قبل قبضه ( على ) شرط ( أن ينقد ) من أشركته في الطعام ثمن حصتك منه ( عنك ) فإن شرطت عليه النقد عنك فلا تجوز الشركة فيه لأنه بيع وسلف بشرط فيفسخ إن وقع إلا أن يسقط شرط النقد ، هذا تقرير الشارح و " ق " و " ح " ، وهو الذي يظهر من التعليل بالبيع والسلف لأن المولى بالفتح لا يرجع بما يدفعه اللخمي ابن القاسم فيمن ابتاع سلعة ثم سأله رجل أن يشركه فيها فقال : أشركتك [ ص: 256 ] على أن تنقد عني فلا يجوز وهو بيع وسلف ، فإن نزل فسخ إلا أن يسقط السلف ، فإن كان السلف من المشتري جاز بأن قال : اشتروا شركتي ، ثم قال بعد الشراء : انقد عني جاز هذا في كل شيء الصرف والطعام والعروض وبيع النقد والأجل لانعقاد الشراء عليهما ا هـ .

( و ) إن ( استوى عقداهما ) أي المولي بالكسر والمولى بالفتح والمشرك بالكسر والمشرك بالفتح قدرا وأجلا وحلولا ورهنا وحميلا ( فيهما ) أي التولية والشركة في الطعام قبل قبضه ، وبقي شرط ثالث وهو كون رأس المال عينا أو مثليا لا مقوما لأنه يئول إلى القيمة فيكون من بيع الطعام قبل قبضه ، هذا مذهب أشهب اللخمي وهو أحسن إذا كان مما لا تختلف الأغراض فيه ، وقصره ابن القاسم على العين لأنها رخصة فيقتصر فيها على ما ورد ، ولعل المصنف استغنى عن هذا بقوله واستوى عقداهما لأن المقوم يئول إلى القيمة المؤدية إلى الاختلاف ( وإلا ) أي وإن لم توجد الشروط المتقدمة ( ف ) المذكور من الإقالة والتولية والشركة في الطعام ( بيع كغيره ) من البيوع في اشتراط انتفاء موانعه ومنها عدم قبض طعام المعاوضة فتمنع الإقالة والتولية والشركة في الطعام قبل قبضه ، وتجوز بعدم وفي غير الطعام إن لم يشترط نقد المشرك بالفتح عن المشرك بالكسر وقال الحط : يعني أن غير الطعام حكمه كالطعام في أنه لا تجوز الشركة فيه بشرط النقد ، وفي أنه لا تكون تولية أو شركة إلا إذا استوى العقدان ، وإلا فهو بيع مؤتنف .




الخدمات العلمية