الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال: "وغلا آخرون منهم أحمد بن حنبل، حتى منع تأويل قوله تعالى: كن فيكون (117) وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت، يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل [مكون] حتى سمعت لبعض أصحابه أنه حسم الباب في التأويل إلا لثلاثة ألفاظ: قوله صلى الله عليه وسلم: "الحجر الأسود يمين الله [ ص: 114 ] في الأرض" وقوله صلى الله عليه وسلم: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" وقوله صلى الله عليه وسلم: "إني أجد نفس الرحمن من جانب اليمن".

ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر".

قال: "والظن بأحمد بن حنبل أنه علم [أن] الاستواء: ليس هو الاستقرار. والنزول: ليس هو الانتقال، ولكنه منع من التأويل حسما للباب، ورعاية لصلاح الخلق، فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج عن الضبط وجاوز الاقتصاد، إذ حد الاقتصاد لا ينضبط، ويشهد له سيرة السلف، فإنهم كانوا يقولون: أمروها كما جاءت. حتى قال مالك -لما سئل عن [ ص: 115 ] الاستواء- فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

[ ص: 116 ] قال: "وذهب طائفة إلى الاقتصاد ففتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله تعالى، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها، ومنعوا التأويل، وهم الأشعرية، وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفات الله تعالى تعلق الرؤية به، وأولوا كونه سميعا بصيرا، وأولوا المعراج، وزعموا أنه لم يكن بالجسد، وأولوا عذاب القبر والميزان والصراط، وجملة من أحكام الآخرة، لكن أقروا بحشر [ ص: 117 ] الأجساد، وبالجنة، وباشتمالها على المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملاذ المحسوسة، وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق، تحرق الجلود [وتذيب] الشحوم. ومن ترقيهم إلى هذا الحد تدرجت الفلاسفة، فأولوا كل ما ورد في الآخرة، وردوها إلى آلام عقلية وروحانية، ولذات عقلية، وأنكروا حشر الأجساد، وقالوا ببقاء النفوس، وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة، بعذاب ونعيم لا يدركه الحس، وهؤلاء هم المسرفون، وحد هذا الاقتصاد بين هذا الانحلال وبين جمود الحنابلة دقيق غامض، لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد [ ص: 118 ] فلا يستقر له فيه قدم، ولا يتعين له موقف، والأليق بالمقتصر على السمع المجرد: [مقام] أحمد بن حنبل. والآن فكشف الغطاء في حد الاقتصاد في هذه الأمور داخل في [علم] المكاشفة، [ ص: 119 ] والقول فيه يطول.

قلت: وقد تكلمنا على هذا الكلام وما فيه من مردود مقبول، وما فيه من عزل الرسول صلى الله عليه وسلم عزلا معنويا، وإحالة الخلائق على الخيالات والمجهولات، وفتح باب النفاق، وبيناه في (الأجوبة المصرية).

التالي السابق


الخدمات العلمية