الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وهذا كما ذكر في مسألة العلو أن العقول يعرف بها أن الله تعالى فوق خلقه، وأما استواؤه على العرش بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام فهذا إنما يعلم بالسمع، هذا مما [ ص: 517 ] اتفق عليه أئمة المسلمين، وسائر أهل السنة والجماعة، أن العلم بكونه فوق العالم فطري عقلي، وأما العلم باستوائه على العرش فسمعي شرعي، وكذلك أئمة متكلمة الصفاتية، مثل أبي محمد بن عبد الله بن سعيد بن كلاب، وأبي العباس القلانسي، وغيرهما، وكلام الأشعري الذي رأيناه يدل على ذلك –أيضا- وإن كان ابن فورك جعل ذلك خلافا بينه وبين ابن كلاب، فقد بينا غلطه في ذلك.

والمقصود أن العلو عقلي والاستواء سمعي، فإن الرسل (صلوات الله عليهم وسلامه) أخبر الله على ألسنتهم بما تقصر العقول عن دركه، وإن كان ذلك من المعروف الذي يعرف [ ص: 518 ] بالمعقول أصله ويعرف على سبيل الإجمال كما أن ما أمروا به كذلك هو معروف في العقول في الجملة، لكن تفاصيل المأمور به لا تعرف إلا بالشرع المسموع، ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة من ثبوت هذا الشبه من بعض الوجوه، والله هو الذي خلق آدم على صورته هو خير مما ذكره المؤسس واستشهد عليه بما ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وهو قوله: "تخلقوا بأخلاق الله" فإن هذا من جنس ما يقوله المتفلسفة الصابئون ومن سلك مسلكهم من الإسلاميين من قولهم: إن الفلسفة هي [التشبه] بحسب الطاقة، فيثبتون أن العبد يصير شبيها بالله تعالى [بفعل] نفسه، ويحتج من اتبعهم على ذلك كأبي حامد وغيره بقوله: "تخلقوا بأخلاق الله".

وهذا اللفظ لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من كتب الحديث، ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم، بل هو [ ص: 519 ] من باب الموضوعات عندهم، وإن كان قد يفسر بمعنى صحيح يوافق الكتاب والسنة، فإن الشارع قد ذكر أنه يحب اتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال"، "إنه وتر يحب الوتر"، "إنه طيب لا يقبل إلا طيبا"، [ ص: 520 ] "الراحمون يرحمهم الرحمن" "إنك عفو تحب العفو فاعف عني" "إن الله نظيف يحب النظافة".

لكن المقصود أن هؤلاء مع كونهم أظهر الناس تبرءا من التشبيه، يزعمون أن كمال الفلسفة عندهم أن يفعل الإنسان ما يصير به مشابها لله في الجملة، وقد وافقهم عليه بعض المتكلمين، وإن كان كثير من المتكلمين يخالفونهم في ذلك. [ ص: 521 ] ويقول أخبرهم، كالمازري: ليس لله خلق يتخلق به العبد، فلأن يكون الله هو القادر على أن يخلق ما يشبهه من بعض الوجوه أولى وأحرى، فيكون هذا ثابتا بخلق الله تعالى، وأما الأخلاق والأفعال المناسبة المشابهة لمعاني أسمائه التي يحبها فهي مما أمر به، وهو سبحانه له الخلق والأمر.

التالي السابق


الخدمات العلمية