الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الوجه [الخامس]: أن يقال: لا خلاف بين المسلمين، بل بين العقلاء أن التأويل حيث ساغ سواء كان في كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو كلام غير الله ورسوله، إنما فائدته الاستدلال على مراد المتكلم ومقصوده، ليس التأويل السائغ أن ينشئ الإنسان معاني لذلك اللفظ أو يحمله على معان [سائغة] [ ص: 288 ] لم يقصدها المتكلم، بل هذا من أبطل الباطل وأعظمه امتناعا وقبحا، باتفاق العقلاء، وهو الذي يقع فيه هؤلاء المتأولون المحرفون كثيرا، وبذلك أشعر لفظه. حيث قال: "فعند ذلك قال المتكلمون: لما ثبت بالدليل أنه تعالى منزه عن الجهة [و] الجسمية، وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملا صحيحا".

فإن قوله: "نضع" ظاهره أنهم يضعون لها ما يمكن من المعاني الصحيحة، من غير نظر منهم في أن المتكلم قصد تلك المعاني أو لم يقصدها. وعلى هذا فيكون التأويل كذبا وافتراء على المتكلم، إذا قيل معنى هذا الكلام هذا. فإن معنى التأويل أنه قصد وأراد به كذا، وليس عند المتأول إلا أن هذا المعنى يصلح في الجملة أن يراد بهذا الكلام، ولكن قد يصلح أن يريد غيره ولا يصلح أن يريد هو.

فمن فسر كلام الفقهاء كالشافعي، وأحمد، ومالك، وأبي حنيفة، [ ص: 289 ] بدقائق الأطباء التي يقصدها بقراط وجالينوس، أو فسر كلام الأطباء بما يختص بدين المسلمين من معاني الحج، والصلاة، وغير ذلك، لكون ذلك المعنى يصلح لذلك اللفظ في الجملة، كان مع كونه من أكذب الناس وأعظمهم افتراء من أبعد الناس عن العقل والدين وأشدهم إفسادا للعلوم والمخاطبات.

فهكذا من نظر إلى ما يحتمله اللفظ من المعاني مما يصلح [ ص: 290 ] أن يريده من ينشئ الخطاب بذلك اللفظ: ففسر كلام الله وكلام رسوله به، كان في إفكه وضلاله بل في كفره ونفاقه أعظم من أولئك؛ لأن الفرق بين كلام الله ورسوله وما يقصده الله ورسوله بالخطاب من معاني أسمائه وصفاته، وبين الأعراب، ونحوهم، وما يقصدونه في خطابهم من وصف الإبل والشاء، والمنازل والمياه، والقبائل، أعظم من الفرق بين كلام الفقهاء، وكلام الأطباء.

وبهذا تبين أن ما يذكره طائفة من الناس مثل هذا المؤسس وأمثاله في أصول الفقه أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين كان لمن بعدهم إحداث تأويل آخر، بخلاف الأحكام: قول باطل، فإن تأويل الأمة للقرآن والحديث هو إخبارهم بأن هذا هو مراد الله تعالى منه قطعا أو ظاهرا، فاتفاقهم في ذلك على قول أو قولين هو كاتفاقهم في الأحكام على قول أو قولين، ولو قدر أنه أريد بالتأويل تجويز الإرادة مثل أن تقول طائفة يجوز أن يكون هذا هو المراد، وتقول طائفة أخرى يجوز أن يكون هذا هو المراد، كانوا متفقين على [ ص: 291 ] أنهم لم يعلموا لله مرادا غير ذينك الوجهين، فلا يجوز أن يكون من بعدهم هو العالم بمراد الله تعالى دونهم.

ولهذا كانت هذه المعاني التي يفسرون بها كلام الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ويتأولونها [عليها] يعلم في كثير منها أو أكثرها بالضرورة أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يريدا تلك المعاني أكثر مما يعلم بالضرورة انتفاء ما ذكره من خلاف بعض الظواهر، وحينئذ فينقلب ما ذكره من الدليل عليه أعظم انقلاب بأن يقال في:

التالي السابق


الخدمات العلمية