الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
فجاء بعد هذا من أصحابه وغير أصحابه كابن سبعين، وخادمهم التلمساني فعلموا فساد الفرق بين الرب والعبد، فصرحوا بأنه هو الموجودات، وليس ثم غير ولا سوى بوجه من [ ص: 616 ] الوجوه، كما قد بسطنا قولهم في غير هذا الموضع.

وحقيقة قولهم هو قول فرعون، الجاحد لرب العالمين، كما يقوله من يقوله من طواغيتهم: إن قولنا هو قول فرعون، لكن فرعون [كان] ينكر وجود الحق بالكلية، وهؤلاء أقروا به. [قالوا]: هو الوجود الذي اعترف به فرعون، وهو وجود المخلوقات. فخالفوا فرعون في اعتقادهم وقصدهم، حيث اعتقدوا أنهم مقرون بالله، عابدون له من بعض الوجوه، [و]إن كان العابد والمعبود والمقر بالله هو الله عندهم لا غيره.

والمقصود هنا ما يتعلق بقولهم في صورة الله، كما قال صاحب (الفصوص) ابن عربي في فص حكمة أحدية، في [ ص: 617 ] كلمة هودية: "فهو محدود بحد كل محدود، فما يحد شيء إلا وهو حد للحق، فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات، ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود، فهو عين الوجود فهو على كل شيء حفيظ بذاته، ولا يؤوده حفظ شيء، [فحفظه] تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء غير صورته، [و]لا يصح إلا هذا، فهو الشاهد [من] الشاهد، والمشهود [من] المشهود، فالعالم صورته، وهو روح العالم المدبر له، فهو الإنسان الكبير.


[فهو] الكون كله وهو الواحد الذي     قام كوني بكونه
ولذا قلت [يغتذي]     فوجودي غذاؤه
وبه نحن نحتذي     فيه منه إن نظر
ت بوجه تعوذي

[ ص: 618 ] وقال –أيضا- في التوجيه: "فإن للحق في كل نطق ظهورا فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم، إلا فهم من قال إن العالم صورته، وهو منه، وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن، فنسبته لما ظهر من صورة العالم نسبة الروح المدبر للصورة، فيوجد في حد الإنسان مثلا باطنه وظاهره، وكذلك كل محدود، فالحق محدود بكل حد، وصورة العالم لا تنضبط ولا يحاط بها، ولا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صوره، [فلذلك] [ ص: 619 ] يجهل حد الحق، فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة، وهذا محال حصوله، فحد الحق محال".

التالي السابق


الخدمات العلمية