الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 528 ] والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى. وقد قال الله تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67].

وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر، [ ص: 529 ] وابن مسعود، وابن عباس، أن الله يقبض السموات والأرض بيديه، قال ابن عباس: "ما السموات السبع [والأرضون السبع] وما بينهما، وما فيهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وإذا كان الأمر كذلك كان أكبر [ ص: 530 ] وأعظم من أن يقدر بهذا القدر، وهذا من المعلوم بالضرورة من العقل والدين.

قيل ليس هذا ظاهر الحديث، ومن زعم أن الله طوله ستون ذراعا وزعم أن هذا ظاهره أو حمله عليه فهو: [مفتر] كذاب، ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين، كما تقدم.

ومعلوم –أيضا- عدم ظهوره من الحديث، فإن الضمير [في] قوله: "طوله" عائد إلى آدم، الذي قيل فيه: "خلق آدم على صورته" ثم قال: "طول آدم ستون ذراعا، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة". فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضا.

فلفظ الطول وقدره ليس داخلا في مسمى الصورة، حتى يقال: إذا قيل خلق الله آدم على صورته وجب أن يكون على قدره وطوله، بل من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون [ ص: 531 ] أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم [في] جنس ذواتهما، وقدر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة [ماء] أو مرآة في غاية الصغر، ويقال: هذه صورتها. مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر. وكذلك المصور الذي يصور السموات، والكواكب، والشمس، والقمر، والجبال، والبحار، [يصور] ذلك مع أن الذي يصوره وإن شابه ذلك فإنه أبعد شيء عن حقيقته، وعن قدره.

والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه، فلما قال في آخر الحديث: "فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، طوله ستون ذراعا" هذا يقتضي المشابهة في الجنس والقدر، لأن صورة المضاف من جنس صورة المضاف إليه، وحقيقتهما واحدة، وأما قوله: "خلق آدم على صورته"، فإنها تقتضي [ ص: 532 ] نوعا من المشابهة فقط، لا تقتضي تماثلا، لا في حقيقة ولا قدر، وأما الذين ظنوا أن الضمير في قوله: "طوله ستون ذراعا" لما كان عائدا إلى آدم (فكذلك الضمير في صورته وأن المعنى خلق آدم على صورة آدم فقد تقدم الكلام عليهم وأن آدم) لم يكن له صورة قبل ذلك يخلق عليها، وذكرنا الوجوه المتعددة الدالة على فساد ذلك.

ولهذا كان بعض المحدثين الذين يريدون أن لا يحدثوا بعض الناس بهذا المعنى يقولون: خلق آدم طوله ستون ذراعا فإذا كان هذا في بيان مقدار صورة آدم التي خلقه عليها لا يقال في مثل ذلك: خلق آدم على صورة آدم، بل قد يقال: خلق على هذه الصورة، وعلى هذه الصفة، فإن هذا اللفظ ليس فيه إضافة تقتضي تقدم الصورة التي خلق عليها، بل فيه تخصيص وبيان للصورة التي كان عليها بعد الخلق، مع أن [ ص: 533 ] هذا لا يصلح أن يقال في هذا اللفظ؛ لأن قول القائل: خلق آدم على صورة آدم، أو على الصورة التي كانت لآدم، إذا أراد به التقدير [وهو] كونها ستين ذراعا فإنه يقتضي كون المخاطبين يعرفون ذلك [من] تأويل هذا الخطاب فإن الخطاب المعرف بالإضافة أو اللام يقتضي تقدم معرفة المخاطبين بذلك المعرف، ومعلوم أن المخاطبين لم يكونوا يعلمون طول آدم. [وهكذا] لا يصلح أن يقال في القدر ما ذكر في صورة آدم من كونه لم يمسخ، أو كونه خلق ابتداء، ونحو ذلك، إذ هذا معلوم بخلاف القدر.

فعلم أن الحديث أخبر فيه بجملتين: أنه خلق آدم على صورته. وأن طوله ستون ذراعا، ليس هذا التقدير هو تقدير الصورة التي خلق عليها حتى يقال هي صورة آدم.

التالي السابق


الخدمات العلمية