الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( فصل في التخارج )

( وإذا كانت الشركة بين ورثة فأخرجوا أحدهم منها بمال أعطوه إياه والتركة عقار أو عروض  جاز قليلا كان ما أعطوه إياه أو كثيرا ) لأنه أمكن تصحيحه بيعا . وفيه أثر عثمان ، فإنه صالح تماضر الأشجعية امرأة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار . [ ص: 440 ] قال ( وإن كانت التركة فضة فأعطوه ذهبا أو كان ذهبا فأعطوه فضة فهو كذلك ) لأنه بيع الجنس بخلاف الجنس فلا يعتبر التساوي ويعتبر التقابض في المجلس لأنه صرف غير أن الذي في يده بقية التركة إن كان جاحدا يكتفي بذلك القبض لأنه قبض ضمان فينوب عن قبض الصلح وإن كان مقرا لا بد من تجديد القبض لأنه قبض أمانة فلا ينوب عن قبض الصلح ( وإن كانت التركة ذهبا وفضة وغير ذلك فصالحوه على ذهب أو فضة  فلا بد أن يكون ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس حتى يكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية التركة ) احترازا عن الربا ، [ ص: 441 ] ولا بد من التقابض فيما يقابل نصيبه من الذهب والفضة لأنه صرف في هذا القدر ، ولو كان بدل الصلح عرضا جاز مطلقا لعدم الربا ، ولو كان في التركة دراهم ودنانير وبدل الصلح دراهم ودنانير أيضا جاز الصلح كيفما كان صرفا للجنس إلى خلاف الجنس كما في البيع لكن يشترط التقابض للصرف .قال ( وإذا كان في التركة دين على الناس فأدخلوه في الصلح  على أن يخرجوا المصالح عنه ويكون الدين له فالصلح باطل ) لأن فيه تمليك الدين من غير من عليه وهو حصة المصالح ( وإن شرطوا أن يبرأ الغرماء منه ولا يرجع عليهم بنصيب المصالح فالصلح جائز ) لأنه إسقاط وهو تمليك الدين ممن عليه الدين وهو جائز ، وهذه حيلة الجواز ، [ ص: 442 ] وأخرى أن يعجلوا قضاء نصيبه متبرعين

التالي السابق


فتح القدير

( فصل في التخارج )

التخارج : تفاعل من الخروج، ومعناه أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث بشيء معلوم . وإنما أخره لقلة وقوعه؛ إذ قلما يرضى أحد بأن يخرج من البين بغير استيفاء نصيبه. أو لوقوعه بعد الحياة .

( قوله : وفيه أثر عثمان رضي الله عنه فإنه صالح تماضر الأشجعية امرأة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار ) . قال في غاية البيان :

[ ص: 440 ] والأصل في جواز التخارج ما روى محمد بن الحسن في الأصل في أول كتاب الصلح عن أبي يوسف عمن حدثه عن عمرو بن دينار عن ابن عباس : أن إحدى نساء عبد الرحمن بن عوف صالحوها على ثلاثة وثمانين ألفا على أن أخرجوها من الميراث . وقال محمد أيضا: حدثنا أبو يوسف عمن حدثه عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال بتخارج أهل الميراث، وكذلك روى الحاكم الشهيد عن عمرو بن دينار : أن إحدى نساء عبد الرحمن بن عوف صالحوها على ثلاثة وثمانين ألفا على أن أخرجوها من الميراث،

وقد أثبت شمس الأئمة السرخسي وعلاء الدين الإسبيجابي في شرح الكافي لفظ الكافي، كما فيه من غير تغيير، إلا أن شمس الأئمة السرخسي قال: وهي تماضر كان طلقها في مرضه، فاختلف الصحابة في ميراثها منه ثم صالحوها على الشطر، وكانت له أربع نسوة وأولاد، فحظها ربع الثمن جزء من اثنين وثلاثين جزءا من التركة فصالحوها على نصف ذلك وهو جزء من أربعة وستين جزءا وأخذت بهذا الحساب ثلاثة وثمانين ألفا. وقد روى محمد الألف مطلقا ولم يفسر أنها دراهم أو دنانير، وذكر ثلاثة قبل الثمانين ولم يذكر اسم المصالحة، ولم يذكر أن عبد الرحمن عن كم نسوة مات. وصاحب الهداية لم يذكر الثلاثة قبل الثمانين، وفسر الثمانين بالدينار. إلى هنا لفظ غاية البيان، وهذا بسط ما ذكر في جملة الشروح هاهنا غير أنه ذكر في سائر الشروح أنه ذكر في كتب الحديث ثلاثة وثمانين ألف دينار .

( قوله : وإن كانت التركة فضة وذهبا وغير ذلك فصالحوه على ذهب أو فضة فلا بد أن يكون ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس حتى يكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية التركة احترازا عن الربا ) . أما إذا كان ما أعطوه أقل من نصيبه من ذلك الجنس فلا يجوز الصلح ؛ لأنه تبقى الزيادة على المأخوذ من جنس ذلك [ ص: 441 ] ومن غير جنسه خالية عن العوض، وكذلك إذا كان ما أعطوه مثل نصيبه من ذلك الجنس فلا يجوز الصلح ؛ لأنه تبقى الزيادة على المأخوذ من جنس ذلك ومن غير جنسه خالية عن العوض، فتعذر تجويزه بطريق المعاوضة في هاتين الصورتين للزوم الربا ، ولا يصح تجويزه بطريق الإبراء عن الباقي أيضا ؛ لأن التركة عين والإبراء عن الأعيان باطل. كذا في الذخيرة وفي كثير من شروح هذا الكتاب.

أقول: عدم صحة تجويز ذلك بطريق الإبراء عن الباقي منظور فيه عندي ؛ لأن الإبراء عن نفس الأعيان وإن كان باطلا إلا أن البراءة عن دعوى الأعيان صحيحة، كما صرحوا به وقد مر في الكتاب . فلم يصح تجويز الصلح على الأقل أو المثل فيما نحن فيه بطريق البراءة عن دعوى الباقي وحمل كلام العاقل على الصحة واجب مهما أمكن. فإن قلت: قد مر في الكتاب أنه لو ادعى دارا فصالح على قطعة منها لم يصح الصلح ؛ لأن ما قبضه عين حقه وهو على دعواه في الباقي وما نحن فيه نظير تلك المسألة فإذا لم يصح الصلح هناك فكيف يصح هاهنا.

قلت: قد مر أيضا في الشروح هناك أن ما ذكر جواب غير ظاهر الرواية، وأما في ظاهر الرواية فإنه يصح. وقد ذكر في الذخيرة وفي فتاوى قاضيخان أيضا اختلاف جواب ظاهر الرواية وجواب غير ظاهر الرواية في تلك المسألة. حتى قال في الذخيرة : هناك وجه ظاهر الرواية أن الإبراء لاقى عينا، ودعوى والإبراء عن الدعوى صحيح وإن كان الإبراء عن العين لا يصح. وأما فيما نحن فيه فالجواب عدم صحة الصلح رواية واحدة لا غير على ما ذكر في جميع [ ص: 442 ] الكتب ، فيرد عليه ما أوردناه من النظر، كما لا يخفى. وقال الحاكم أبو الفضل : إنما يبطل الصلح عن مثل نصيبه من الدراهم على أقل من نصيبه من الدراهم حالة التصادق. وأما حالة المناكرة فالصلح جائز؛ لأن حالة المناكرة المعطي يعطي المال لقطع المنازعة ويفدي به يمينه فلا يتمكن الربا، كذا في الذخيرة والتتمة . ونقل عنهما في النهاية ومعراج الدراية .

وقال الإمام علاء الدين الإسبيجابي في شرح الكافي للحاكم الشهيد : قال أبو الفضل - يعني الحاكم الشهيد - : إنما يبطل الصلح على أقل من نصيبها من العين في حالة التصادق، أما في حالة المناكرة فالصلح جائز ؛ لأنه إن لم يمكن تصحيحه معاوضة يمكن تصحيحه إسقاطا. ثم قال الإمام الإسبيجابي : والصحيح أنه باطل في الوجهين ؛ لأنه يكون معاوضة في حق المدعي فيدخل فيه معنى الربا من الوجه الذي قلنا، انتهى. وهكذا نقل عنه في غاية البيان .

وقال الإمام فخر الدين قاضيخان في فتاواه : قال الحاكم الشهيد : إنما يبطل الصلح على أقل من حصتها من مال الربا في حالة التصادق . أما في حالة الجحود والمناكرة يجوز الصلح . ووجه ذلك أن في حالة الإنكار ما يؤخذ لا يكون بدلا لا في حق الآخذ ولا في حق الدافع، انتهى كلامه.

أقول: في الوجه الذي ذكره قاضيخان إشكال ؛ لأن عدم كون المأخوذ بدلا في حق الدافع ظاهر مسلم، وأما عدم كون ذلك بدلا في حق الآخذ فممنوع.

فإن قلت: إنما لا يكون المأخوذ بدلا في حق الآخذ أيضا لإمكان تصحيح هذا الصلح بدون الحمل على المعاوضة بحمله على أخذ عين الحق في قدر المأخوذ وإسقاط الحق في الباقي، كما قالوا في الصلح عن الدين بأقل من جنسه .

قلت: الكلام في الصلح عن أعيان التركة، والإبراء عن الأعيان باطل على ما صرحوا به ، فلو أمكن تصحيح هذا الصلح في حالة المناكرة يحمله على أخذ بعض الحق وإسقاط بعضه الآخر لأمكن تصحيحه في حالة التصادق أيضا بذلك الطريق لعدم الفارق بين الحالتين في ذلك المعنى قطعا، وقد أجمعوا على عدم إمكان تصحيحه أصلا في حالة التصادق . نعم بقي لنا الكلام في هذا المقام بأنه لم لا يجوز تصحيح هذا الصلح في الحالتين معا بحمله على البراءة من دعوى الباقي من أعيان التركة لا عن نفس تلك الأعيان ، والباطل هو الثاني دون الأول، كما قررناه من قبل .




الخدمات العلمية