الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الكلام في الصلاة لما يحدث فيها من السهو

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2610 2611 ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر : فإنا رأينا أشياء يدخل فيها العباد تمنعهم من أشياء .

فمنها : الصلاة تمنعهم من الكلام والأفعال التي لا تفعل فيها .

ومنها : الصيام يمنعهم من الجماع والطعام والشراب .

ومنها : الحج والعمرة ، تمنعانهم من الجماع والطيب واللباس .

ومنها : الاعتكاف يمنعهم من الجماع والتصرف .

فكان من جامع في صيامه أو أكل أو شرب ناسيا مختلفا في حكمه ، فقوم يقولون : لا يخرجه ذلك من صيامه بتقليد آثار رووها ، وقوم يقولون : قد أخرجه ذلك من صيامه .

وكل من جامع في حجته أو عمرته أو اعتكافه متعمدا أو ناسيا فقد خرج بذلك مما كان فيه من ذلك ، فكان ما يخرجه من هذه الأشياء إذا فعل ذلك متعمدا فهو يخرجه منها إذا فعله غير متعمد .

وكان الكلام في الصلاة يقطع الصلاة إذا كان على التعمد . لذلك فالنظر على ما ذكرنا من ذلك أن يكون أيضا يقطعها إذا كان على السهو ، ويكون حكم الكلام فيها على العمد والسهو سواء ، كما كان حكم الجماع في الاعتكاف والحج والعمرة على العمد والسهو سواء ، فهذا هو النظر أيضا في هذا الباب ، وقد وافق ما صححنا عليه معاني الآثار ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، رحمهم الله . .

[ ص: 80 ]

التالي السابق


[ ص: 80 ] ش: ذكر في وجه هذا النظر والقياس أربعة أشياء إذا دخل فيها الرجل تمنعه عن أشياء :

الأول: الصلاة : فإنها تمنع من يدخل فيها عن الكلام والأفعال التي تنافيها .

الثاني : الصوم : فإنه يمنع من يدخل فيه عن المفطرات الثلاث وهي الأكل والشرب والجماع .

الثالث : الحج والعمرة ; فإنهما يمنعان من يدخل فيهما عن الجماع ، واستعمال الطيب واللباس ونحوهما .

الرابع : الاعتكاف : فإنه يمنع من يدخل فيه عن الجماع والتصرف ، وقد استوى العمد والنسيان في الفصلين بلا خلاف وهما فصل الحج والاعتكاف ، ووقع الخلاف في فصل الصوم ، فقال : بعضهم ليس النسيان فيه كالعمد ; فإنه إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيا لا يفسد صومه ، فلا يجب عليه القضاء والكفارة ، أشار إليه بقوله : "فقوم يقولون : لا يخرجه ذلك من صيامه " . وأراد بهم : الأوزاعي ، والليث ، والثوري ، وأبا حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد في رواية ; ومالكا في رواية أيضا ، وبعض أهل الظاهر ، فإنهم ذهبوا إلى أن من فعل شيئا من هذه الأشياء ناسيا لا يفسد صومه ، وليس عليه شيء ، قال القاضي عياض : إلا أن مالكا قال : يلزمه القضاء لا غير ، وهو مشهور مذهب مالك ، وهو قول جميع أصحابه ، وقول ربيعة وعطاء ، وقال بعضهم : العمد والنسيان فيه سواء ، حتى إنه إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيا ; فإنه يفسد صومه أشار إليه بقوله : "وقوم يقولون : قد أخرجه ذلك من صيامه " وأراد بهم : عطاء بن أبي رباح ، ومالكا في رواية ، وأحمد في رواية ، وبعض الظاهرية .

وأما الصلاة فلم يختلفوا في أن من فعل فيها شيئا مما هو مناف لها عمدا -الكلام- فإنه يقطعها ، فالنظر والقياس على الفصلين اللذين ليس فيهما خلاف في استواء العمدية والنسيانية ، أن يكون حكم الصلاة كذلك في استواء العمدية والنسيانية .

فإن قيل : لم لا يقاس على فصل الصوم ؟

قلت : لأنه مختلف فيه ، وما قيس عليه متفق عليه ، وهو أجدر بذلك . [ ص: 81 ] وأيضا فإن في الصلاة حالة مذكرة ، فقياسها على لما فيه حالة مذكرة ، هو الصواب ; فافهم .

قوله : "بتقليد آثار رووها " يتعلق بقوله : "يقولون : لا يخرجه ذلك من صيامه " وأراد بالآثار : الأحاديث التي وردت في هذا الباب .

منها : ما أخرجه البخاري ، ومسلم : عن أبي هريرة : "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه " .

ومنها : ما أخرجه الترمذي عنه : "من أكل أو شرب ناسيا فلا يفطر ، فإنما هو رزق رزقه الله " .

ومنها ما أخرجه أبو داود عنه : "أن رجلا جاء إلى النبي - عليه السلام - ، فقال : يا رسول الله ، أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم ، فقال : الله أطعمك وسقاك " .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث