الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2966 2967 ص: ثم قد جاءت -بعد هذه- الآثار عن رسول الله - عليه السلام - متواترة بتحريم الصدقة على بني هاشم ، فمما جاء في ذلك : ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : ثنا وهب بن جرير ، قال : ثنا شعبة ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أبي الحوراء السعدي ، قال : " قلت للحسن بن علي : - رضي الله عنهما - : ما تحفظ من رسول الله - عليه السلام - ؟ قال : أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في في ، فأخرجها رسول الله - عليه السلام - بلعابها فألقاها في التمر . قال رجل : يا رسول الله ، ما كان عليك في هذه التمرة لهذا الصبي ؟ قال : إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة " .

                                                حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق ، قالا : ثنا أبو عاصم ، عن ثابت بن عمارة ، عن ربيعة بن شيبان ، قال : قلت للحسن . . فذكر نحوه إلا أنه قال في آخره : "ولا لأحد من أهله " .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي : ثم قد جاءت بعد هذه الأحاديث التي احتج بها ذاك المحتج من أهل المقالة الأولى ، الآثار الأخر حال كونها متواترة -أي متكاثرة - بتحريم الصدقة على بني هاشم . فمما جاء في ذلك عن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - . [ ص: 505 ] وأخرجه من طريقين صحيحين :

                                                الأول : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير بن حازم البصري ، عن شعبة بن الحجاج ، عن بريد -بضم الباء وفتح الراء المهملة- ابن أبي مريم ، واسمه مالك بن ربيعة السلولي البصري وثقه يحيى وأبو زرعة والنسائي وروى له الأربعة .

                                                عن أبي الحوراء -بالحاء والراء المهملتين- واسمه ربيعة بن شيبان السعدي البصري ، وثقه النسائي وابن حبان ، وروى له الأربعة .

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده " : ثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، حدثني بريد بن أبي مريم السلولي ، عن أبي الحوراء السعدي قال : "قلت للحسن بن علي - رضي الله عنهما - : ما تذكر من رسول الله - عليه السلام - ؟ قال : أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فمي ، فانتزعها رسول الله - عليه السلام - بلعابها وألقاها في التمر . فقال له رجل : ما عليك لو أكل هذه التمرة ؟! قال : إنا لا نأكل الصدقة " .

                                                الثاني : عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق ، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري ، عن ثابت بن عمارة الحنفي أبي مالك البصري وثقه ابن معين ، وقال النسائي : لا بأس به . روى له أبو داود والترمذي والنسائي .

                                                عن ربيعة بن شيبان أبي الحوراء . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه البزار في "مسنده " : ثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : نا ثابت بن عمارة ، عن ربيعة بن شيبان قال : "قلت للحسن : هل تحفظ عن رسول الله - عليه السلام - شيئا ؟ قال : أدخلني غرفة وأخذت تمرة من تمر الصدقة ، فقال : إنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهله " . ثم قال البزار : وهذا الحديث قد روي عن بريد ، ورواه غير واحد بألفاظ مختلفة . [ ص: 506 ] قوله : "في في " أي : في فمي ، وفي الفم تسع لغات : فتح الفاء وكسرها وضمها مع تخفيف الميم والنقص ، وفتحها وضمها مع تشديد الميم ، وفتحها وضمها وكسرها مع التخفيف والقصر . وحكى ابن الأعرابي في تثنيته : فموان وفميان ، وحكى اللحياني أنه يقال : فم وأفمام .

                                                واللغة التاسعة النقص ، وإتباع الفاء الميم في الحركات الإعرابية تقول : هذا فمه ، ورأيت فمه ، ونظرت إلى فمه .

                                                قلت : فعلى هذا يكون للفم أربع مواد : إحداها : ف م ي . والثانية : ف م و ، والثالثة : ف م م ، والرابعة : ف و هـ ، وكلها أصول .

                                                قوله : "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة " جملة اسمية مؤكدة بالنون ، والمبتدأ هو قوله : "نا " في "إنا " ، وخبره قوله : "لا تحل لنا الصدقة " .

                                                وقوله : "آل محمد " منصوب كما في قوله : إنا معشر العرب نفعل كذا ، ونحن آل فلان كرماء ، وهذا مما يجري على طريقة النداء ويقصد به الاختصاص لا النداء ، وحاصل ذلك أن النحاة يقولون لمثل هذا : نصب على المدح . فافهم .




                                                الخدمات العلمية